الصفحة 2407 من 3036

وأيَّا ما كان الأمر، فإنه يمكن الخلوص إلى تقرير القول بأن القول بالتصويب - وإن نسب إلى المعتزلة والأشاعرة، وبعض السلف في فترة من التاريخ - نخاله أوفق وأولى وأسد من القول بالتخطئة في المسائل الاجتهادية إذا أريد لعملية الاجتهاد أن تستمر وتواكب مستجدات الحياة وتطوراتها، بل إن ذلك أجدى عمليًا لإخضاع كثير من الأفهام الاجتهادية التي تأثرت وتتأثر بالظروف والبيئة والزمان والمكان والأعراف لئلا تتخذ تلكم الأفهام دينا خالدًا مخلدًا لا يعاد فيها النظر على ضوء الأحداث والملابسات الجديدة الوافدة، وعلى ميزان العادات والأعراف المتغايرة والمختلفة، فليس صحيحا حصر الاجتهاد في بذل الوسع من أجل التوصل إلى حكم الشرع في قضايا العصر الجديدة فقط، ولكنه أوسع وأشمل من ذلك بكثير إذ إنه يشمل بذل الوسع كذلك في التعرف على حكم الله من النصوص الظنية الدلالة التي سبق لمجتهد أي مجتهد ان أوسعها - متأثرًا - دونما ريب - بظروفه، وزمانه، ومكانه، وعرف بلده الخ - جانب النظر والاجتهاد، فتوصل إلى حكم اعتبره حكم الشرع تجاوزًا بالنسبة له، بل إن بذل المجتهد وسعه في الترجيح بين آراء اجتهادية مختلفة يعتبر في حد ذاته اجتهادًا لايقل عن اجتهادات أولئك الناس الذين سبقوا إلى تلك الآراء، وهكذا دواليكم..

ولأمر بل لحكمة ما يجد المرء عند تصفحه كتب الأصول أن القول بالتصويب كان أكثر رواجًا لدى الأصوليين الفطاحل من القول بالتخطئة على الرغم من تسلط سيف التقليد على كل من ساورته نفسه الاجتهاد في المسائل التي اجتهد فيها السابقون، وماسر هذا الرواج لذلك الرأي في نظرنا سوى ردة فعل لعلم الأصول الذي يعتبر في حقيقته حسامًا حادًا للتقليد والمقليدين إذا ما أتيح لعلمائه فتح باب الاجتهاد، وعدم حظره عليهم تحت أي ظرف من الظروف..وعلى كل، نختم هذا الحديث بما قاله أحد المفكرين المعاصرين بهذا الصدد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت