فهرس الكتاب
".. فإن قلت: إن الحق واحد، فكيف يمكن أن تكون الأحكام المختلفة للمذاهب الاربعة والاثني عشر حقًا؟ الجواب: يأخذ الماء أحكامًا خمسة مختلفة حسب اذواق المرضى المختلفة، وحالاتهم: فهو دواء لمريض على حسب مزاجه، أي تناوله واجب عليه طبا. وقد يسبب ضررًا لمريض آخر، فهو كالسم له، أي يحرم عليه طبا. وقد يولد ضررًا أقل لمريض آخر، فهو إذا مكروه له طبا. وقد يكون نافعًا لآخر من دون أن يضره، فيسن له طبًا. وقد لايضر آخر ولاينفعه، فهو له مباح طبًا، فليهنأ بشربه!"
فنرى من الأمثلة السابقة أن الحق قد تعدد هنا، فالأقسام كلها حق، فهل لك أن تقول: إن الماء علاج لا غير، أو واجب فحسب، وليس له حكم آخر؟
وهكذا - بمثل ما سبق - تتغير الأحكام الإلهية بسوق من الحكمة الإلهية، وحسب التابعين لها. فهي تتبدل حقًا، وتبقى حقًا، وبكون كل حكم منها حقًا، وبصبح مصلحة.."4."
وهكذا يقرر الإمام النورسي - رحمه الله - موقفه من مسألة التصويب والتخطئة في المسائل الاجتهادية، ويصر كل الإصرار على القول بالتصويب كما كان ذلك قولا مختارا ومأثورًا عن جمهرة علماء الأصول في حقبة تاريخية تولت، وإذا كان أولئكم الأصوليون ذهبوا إلى اختيار هذا الاتجاه في هذا النزاع، وأيدوا آراءهم بأدلة اجتهادية كثيرة مستنبطة من نصوص قرآنية وحديثية مختلفة، فإنَّ الإمام النورسي لم يسلك مثل ذلك المسلك في الاستدلال على صحة القول بالتصويب، وإنما عز عليه - كما هو حاله في كل رأي يقرره ويرجحه - أن يؤيد ويساند ما يقوله بأمثلة عملية واضحة مقنعة، وبغض النظر عن توفيقه في تلك الأمثلة أو عدم توفيقه، فإنه ليسجل له بمداد من التقدير والتبجيل هذا المسلك المنبثق عن فهمه لمنهج القرآن الكريم والسنة النبوية في تقرير وتثبيت الأفكار والأحكام عن طريق ضرب الأمثلة العملية الواقعية ابتعادًا عن التوغل في المثاليات والافتراضات.