فهرس الكتاب
ومن آثار الظروف على تأليف هذا البحث إدراك الإمام هزالة مستوى كثير من أدعياء الاجتهاد في عصره إلى الدرجة التي لم يكن بعض أولئك الأدعياء قادرين على اجادة علم أصول الفقه، ذلك العلم الذي يعتبر بحق عماد فسطاط الاجتهاد، وركنه المكين الركين، وانى يؤمن أمرؤ على الاجتهاد إذا كان وفاضه خلوا من هذا العلم الذي يتمكن المجتهد بعد إشرافه على مسارحه من التمييز بين علة الحكم، وحكمته، وبين المصلحة، والمقاصد، وبين الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات..
فقد تألم الإمام من وضع كثير من أدعياء العلم في عصره فلاذ بتأليف هذا البحث ليكون سدا منيعًا يحول بينهم وبين الاجتهاد، ويعني هذا أنه لو حظي عصره بجمهرة لايستهان بمستوأهم العلمي لما اختلف إلى تأليف هذا البحث الذي عمم فيه القول، ووجه إلى كل من يطلب الاجتهاد في مسائل الدين في زمانه. بل لولا الفتاوى الجائرة التي كانت تصدر بين الفينة والأخرى تحت ضغوط المحتلين وأمرتهم 18 والتي إن دلت على شئ، فإنما تدل على ضعف الوازع الديني، وإصابة بعض علماء الزمان بآفة النفاق والتملق والتزلف، لولا كل ذلك ما كان للإمام ليوجه تلك الرسالة شديدة اللهجة إلى كل من تساوره نفسه بالاجتهاد في عصره.
إذًا، إضافة إلى ما كان لضعف الالتزام الديني من أثر في تأليف الإمام بحثه يجد المرء أنه قد كان كذلك لضعف المستوى العلمي لأدعيائها في عصره أثر آخر دفع بالإمام إلى تأليف بحثه لمواجهة أولئك الدخلاء أنصاف العلماء واشباههم، وهذا الضعف العلمي يرجع سببه في نظر الإمام إلى عوامل كثيرة، من أهمها تحكم الحضارة الأوربية، وتسلط الفلسفة المادية وأفكارها على أفكار ومناهج الناس، وتعقد متطلبات الحياة اليومية وغير ذلك مما يؤدي إلى تشتت الأفكار وحيرة القلوب وتبعثر الهمم، وتفتت الاهتمامات.. فكل هذه الامور عوامل حائلة دون بلوغ المرء رتبة الاجتهاد في ذلك الزمان، وهذا يقول الإمام في إحدى فقرات البحث: