فهرس الكتاب
".. إن الضروريات الدينية التي لا مجال للاجتهاد فيها، والتي هي في حكم الغذاء والقوت للمسلمين قد أهملت وتزلزلت، فلا بد صرف كل الهمة لإقامتها وامتثالها واحيائها، ثم بعد اللتيا والتي تمس الحاجة إلى الاجتهاد في النظريات.."16، ويجد المرء هذا النص معادا ومهذبا في الكلمات، إذ يقول:
".. إن الضروريات الدينية التي لامجال فيها للاجتهاد لقطعيتها وثبوتها والتي هي في حكم القوت والغذاء قد أهملت في العصر الحاضر، واخذت بالتصدع، فالواجب يحتم صرف الجهود وبذل الهمم جميعًا لإحياء هذه الضروريات وإقامتها.."17، وتعني هذه العبارات فيما تعني ضرورة ممارسة نوع آخر من الاجتهاد، وهو الجهاد الدعوي المتمثل في التركيز على هذه الضروريات، وبذل ما في الوسع من جهد جهيد حتى تحيا وتقام، وما هي الفائدة من التوسع في الاجتهاد في المسائل الظنية إذا كانت المسائل القطعية تحظى بتضييع وتمييع، وأهمال، اين هو - إذا - فقه الأولويات في الدعوة نظريا وعمليا؟!
إذا نستطيع أن نقرر بأن الجو السائد الذي تجلى فيه أهمال الضروريات والاستهانة في ادائها قد كان وراء تأليف الإمام هذا البحث، وقد حاول أن يكون هذا البحث تنبيها ل أولئك الناس الذين لم يدركوا فقه المرحلة، ولم يعتبروا بفقه الواقع، فكانه بذلك يريد أن يذكرهم بأن الاجتهاد النظري المنصر فلاستنباط الأحكام من النصوص الظنية ليست الأمة بحاجة إليه في ذلك الوقت، ولايكون المرء مجتهدًا إذا لم يستطع أن يدرك هذا الجانب، لأن من شروط الاجتهاد في حقيقة الأمر فهم الواقع وفقهه بغية تنزيل النص الشرعي عليه بعد ذلك، ومن لم يتوافر فيه هذا الشرط، فإنه ليس له من حق أن يطرق باب الاجتهاد، بل يجب أن يسد في وجهه، ويمنع منه منعًا !