الصفحة 2433 من 3036

وإذا تبين هذا، فإننا نخلص إلى القول بأن شروط الاجتهاد وخاصة منها تلك الشروط المختلف فيها ينبغي عرضها على بساط النظر والمراجعة لاختيار مدى الحاجة إليها في عصر من العصور، بل إنه ليس من ضير في اعادة النظر إما تعديلا أو تطويرًا أو تكميلًا في بعض الشروط المتفق عليها، وكل ذلك جزء من الاجتهاد نفسه، ورحم الله رجالًا من سلفنا الصالح أبوا ترديد الشروط التي أشار إليها اسلافهم، ونظروا إلى عصرهم فخرجوا إلى الناس بشروط ليست طبق أصل لشروط من قبلهم، وقد اخذ بلواء هذا التوجه الإمام الغزالي في كتابه المستصفى الذي ضمنه شروطا للاجتهاد تجلى فيها تأثره بواقعه، وكذلك كان صنيع ابن السبكي الذي هو الآخر أورد شروطا مغايرة نوعًا مالشروط الغزالي، بل إن الإمام الشاطبي أبى إلا حصر شروط الاجتهاد في معرفتين أساسيتين.. وغير هؤلاء كثير، فكل هذا فيه تأكيد وتنصيص على كون شروط الاجتهاد قابلة للتغيير والتبديل والتطوير والتعديل لانها شروط اجتهادية في حقيقتها مستنبطة بطريق الاجتهاد.

وإذ ذلك كذلك، فلا يحق لأحد وضع شروط للاجتهاد يتجاوز فيها عصره وبيئته، ويغفل عن اشتراط متطلباته وقواعد فهم بيئته، وبناء على هذا، ولو قدر لمن بلغ رتبة الاجتهاد في هذا العصر أن يضع شروطا للتصدي للاجتهاد في عصره، فإنه لا بد من أن يضمنها على سبيل المثال ضرورة معرفة المتصدي للاجتهاد مبادئ العلوم الاجتماعية والتطبيقية المعاصرة التي تعينه على حسن استنباط للأحكام من النصوص، وحسن تنزيل لتلك الأحكام على الواقع المعاصر.

وأي عالم لايتوافر فيه شروط كذلك، فحري به الابتعاد عن الاجتهاد كل الاجتهاد في قضايا العصر ومستجداته التي يحتاج بيان الحكم الشرعي منها إلى فهم لها، وإدراك لأبعادها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت