فهرس الكتاب
ولذلك فإنَّ للمرء أن يقول بكل إنصاف أن ما توصل إليه الإمام النورسي من اجتهاد قائم على الدعوة إلى سد باب الاجتهاد النظري وفتح باب الاجتهاد التطبيقي العملي كان فيه نصيب من الصواب والسداد، وخاصة بعد أن أوضح الأسباب الكامنة وراء اجتهاده التي كان من أهمها عدم تؤهل كثير من أدعياء الاجتهاد في عصره لممارسة هذا النوع من الاجتهاد النظري. فالأمة التي بدأ الكسل والدعة والوهن يدب في جسمها ويسري تحت دمها بحاجة إلى الاجتهاد التطبيقي أكثر من حاجتها إلى الاجتهاد النظري، بل إن أمة اضحت تنبهر بكل ما هو آت من عدوها، وتنهزم داخليا إمام أناس تحكمت فيها طيلة قرون لبحاجة إلى الاخذ بيدها نحو الأصول التي قامت عليها حضارتها، وتمكينها في الارض.. فيمكن أن يكون هذا كله مبررا من المبررات وراء اجتهاد الإمام.
** ولكن لامرئ أن يتساءل ويقول إنه قد كان الأولى بالإمام الدعوة إلى ترشيد محكم في الاجتهاد النظري بدلا من الدعوة إلى سد بابه، ذلك ان كثيرًا من الاجتهادات النظرية التي ورثناها عن سلفنا الصالح ما ينبغي أن تتخذ دينا مقدسا، وخاصة منها تلك التي تأثرت بطريقة مباشرة وغير مباشرة بظروفهم، وزمانهم، وأعرافهم، وعاداتهم.. فكل أولئك من الاجتهادات التي ينبغي فتح باب الاجتهاد النظري أمامها لانتقاء ما كان منها ملائما ومنسجما مع الأعراف والعادات والظروف السائدة في عصر الإمام. وليس من الحكمة في شئ تجاوز دور الزمن والمكان في تكوين تلك الاجتهادات.