فهرس الكتاب
** ويسجل له كذلك تعمقه الذي لا يمارى فيه في معرفة واقع وناس عصره، إضافة إلى تمكنه من الفقه المرحلي الذي لا يوفق كثير من العلماء في إدراكه، الأمر الذي يجعل العالم يغرق في عالم المثاليات، ويغفل عن الحقائق الواقعية. وإذا كان علماؤنا من قديم الزمان قد وضعوا للناس تلك القاعدة التي تقول:
"لاينكر تغير الأحكام بتغير الازمنة والأمكنة والأعراف والعادات"، فانهم قد انطلقوا في ذلك من تقدير ما للواقع الذي ينبغي أن تنزل عليه نصوص الوحي كتابا وسنة من أهمية في تحقيق وتطبيق مراد الشارع من اوأمره ونواهيه. وما الإحباطات وال إخفاقات التي تتالت على مسيرة الدعوة الإسلامية في عرض وطول التاريخ سوى نتيجة حتمية لتغافل كثير من أبناء هذا الدين عن فقه الواقع الذي يعيش فيه الناس ويتأثرون به سلبا أو ايجابا. بل إن الدعوات التي رفعت بها الاصوات منددة بالاجتهاد وأهله انطلق أكثرها في خضم غفلة عارمة عن فهم ومعرفة الواقع، وكذلك الحال في كثير من الدعوات التي تتالت في حقبة تاريخية تولت مطالبة باعادة فتح باب الاجتهاد على مصراعيه هي الأخرى تجاوزت نوعا ما الواقع الذي كانت تمر به الدعوة الإسلامية..
ولعل المرء عند ما يستقرئ العصر الذي عاش فيه الإمام النورسي والذي شهد بداية نهاية لخلافة إسلامية ظلت البشرية في ظلها على مدار قرون سعيدة محترمة ليدرك بجلاء إن شأن الاجتهاد عصرئذ ذو أهمية بالغة سواء كان اجتهادا نظريا يقوم على مراجعة بعض الاجتهادات التي عني بالتوصل إليها السلف الصالح بغية تطويرها أو تعديلها أو إلغائها، أم كان اجتهادا تطبيقيًا يت أسس على بذل الوسع والطاقة من أجل تنزيل المراد الإلهي من نصوص وحيه كتابا وسنة على الواقع الراهن الذي اضحى بأمس الحاجة إلى ذلك نظرًا لتوالي وتفاقم علله. فأي من الاجتهادين يحتاج إلى شئ كبير من العناية والاهتمام.