فهرس الكتاب
إنه من غير المتوقع استيعاب اجتهادات السلف الصالح - رحمهم الله - لكل الجوانب النظرية، لأن الأساس الذي كان يقوم عليه اجتهاداتهم هو بيئتهم، وظروفهم وزمانهم، ومكانهم، مما يجعل تلك الاجتهادات عاجزة في حقيقتها عن استيعاب بيئة وظروف وزمان ومكان لم تعايشها على الإطلاق، وما كان لسلفنا الصالح ليؤصلوا لنا تلكم القاعدة التي اشرنا إليها قبل قليل -"لاينكر تغير الأحكام - يقصد بالأحكام الأحكام القائمة على الاجتهاد النظري - بتغير الازمنة والأمكنة والأعراف والعادات.."- لولا إدراكهم عجز أي اجتهاد مهما كان مصدره من استيعاب وقائع واحداث المستقبل. ولهذا فإنَّنا نعتقد - والله اعلم - أن اختلاف الإمام إلى القول بعدم الحاجة إلى اجتهادات جديدة والاكتفاء باجتهادات السلف مطلقا أمر كان يحتاج من الإمام إلى شئ من التروي والتمعن، وخاصة ان فقه الواقع يتطلب فقها مسبقا للجانب النظري الذي يراد تنزيله على ذلك الواقع، وأي نجاح يؤمل في تنزيل نظرية أو اجتهاد على واقع لايوافقه ولايلائمه، بل كيف يتحقق المراد الالهي في واقع الارض إذا لم يكن ذلك المراد حاملا بين طياته خصائص الواقع ودقائقه !
بل ألم يقل الإمام نفسه - رحمه الله - في إحدى صفحات رسائل النور بأن كل من لديه استعداد وقابلية على الاجتهاد وحائز على شروطه، فله أن يجتهد دون أن يلزم به أحدا من الناس، وفضلا عن هذا، فإن الإمام نفسه دعا في هذه المرحلة إلى تشكيل مجلس للاجتهاد الموسوم اليوم بالاجتهاد الجماعي، وبطبيعة الحال، لم يكن الإمام يحصر اجتهاد هذا المجلس في الجانب التطبيقي دون النظري، مما يدفعنا إلى تفسير منعه بأنه منع للاجتهاد النظري إذا كان فرديا، وأما إذا كان جماعيًّا، فلا نخاله ممن كان يمنع من ذلك في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ الأمة!