والفكر التربوي الذي تحول لدى طلبة"النورسي"إلى سلوكٍ يمارسه"الطالب"في حياته اليومية ويكاد يكون علامة عليه وحدَه من بين الناس، هو مزيج من روح الجمال وروح الجلال، وقد لمستُ ذلك بنفسي حيث وجدتُ لدى طالب النور وداعةً تكاد تكون طفولية، ولكن ليس عن ضعفٍ بل عن قوة إيمانية تمتلئ بها نفسه، وطالعتني منه رحمةٌ تكاد تذوب رقةً ليس عن هوانٍ نفسي بل عن عِزّةٍ قعساء لا تتطامنُ إلاّ لربِّ العالمين، ورأيتُ إشفاقًا دونه إشفاقُ الأُمِّ على وليدها نابعًا من طاقة رجولية ترى في الإشفاق على المتجانفين عن طريق الله تعالى معنىً من معاني الإنسانية الإيمانية.
و"طالب النور"هيّنٌ سهلٌ موطأُ الأكناف يضع خَدَّه على التراب تواضعًا إنْ أخطأ في حق أحد أو أساء إلى أحد، إلاَّ أنّه لا يفعل ذلك بانكسارٍ نفسي بل بشعورٍ من تواضع العِزّة التي تستعصي على أي معنىً من معاني الإذلال والخنوع.
و"النورسي"الأستاذ والقدوة، هذا الرجل الذي لم يكن له مأوى يُؤويه على ظهر الأرض سوى المنافي والسجون والزنزانات، وعلى الرغم من أهوال العذاب الذي كان يَصُبُّهُ عليه سَجَّانوه، إلاّ أنَّ قلبه المفعم بالإشفاق والرحمة كان يمنعه من رفع يديه والدعاء على جلاَّديهِ، وعندما فعل ذلك ذات مَرّةٍ فتوجَّهَ بقلبه الكسير إلى الله تعالى رافعًا يديه بالدعاء على واحد من سجَّانيه مِمَّنْ أفرط غاية الإفراط في إيذائه وتعذيبه، ولم تكد شفتاه تتحركان بالدعاء حتى رأى من كوةِ زنزانته صبيًا لهذا السجَّان يلعب في شرفة المنزل المطلّ على باحة السجن ببراءة طفولية عذبة، فإذا به يُنزلُ يديه ويعدل عن الدعاء إشفاقًا ورحمةً بهذا الصبي الذي لم يُرِدْ أن يعكر صفو براءته بالحزن على والده الذي ربما كان سيتأذّى بدعائه عليه.
3-تربية الوجدان.