فهرس الكتاب
أما"النفس اللوامة"وهي الأرقى في درجات النفوس، إلاَّ أنها الأكثر تعبًا، والأشدُّ معاناةً والأرهف شعورًا، والأعنف توترًا، والأعظم تألمًا، والأعمق حزنًا، فهي لَوَّامةٌ عَتَّابة، نَقَّادة عيَّابة, لا تعرف السكينة، لأنها ضمير الوجدان، والعصب الذي يهزه الغلط، ويوتره الانحراف، تلوم صاحبها إذا أخطأ، وتذكره إذا نسي، وتعنفه إذا اعوجَّ، وتوخزه إذا سكن إلى باطل، وتنذره إذا مارس فسقًا أو أتى فجورًا. وتكبح جماحه، وتلجم أهْواءهُ وهي في صراع دائم مع نفسه الثانية"الأمارة بالسوء"حين تطلُّ برأسها من مخبئها بين تارة وأخرى، فالحرب بينهما سجال، كرٌّ وفرٌّ هزيمة وانتصار، وهي البوصلة الهادية إلى الطريق المستقيم، ولبيان أهمية هذه النفس ربط جلَّ وعلا في قَسَمه بينها وبين يوم القيامة، فقال: (لا أقسمُ بيوم القيامة. ولا أقسم بالنفس اللوامة) (القيامة:1،2)
فبين يوم القيامة بأهواله الرهيبة وبين"النفس اللوامة"سلكٌ نورانيٌّ خفي ينقل صراخ هذه النفس إلى مسامع"القيامة.. أملًا في شمول صاحبها بالرحمة الإلهية."
وإذا ما قُدِِّر لمعدن"النفس اللوامة"أن يتصفَّى في بودقة الاختبار من الشوائب والأخباث، وأن يُنَقَّى سرُّها، ويتطهر لُبُّها، وتخرج من جحيم"النفس الأمارة بالسوء"سالمة مبرأة، صارت نفسًا مطمئنة، ودرجت لتأخذ مكانها في صفوف المرضيين المطمئنين، وصارت هي المعينة بخطابه جلَّ وعلا: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) (الفجر:27) .