فهرس الكتاب
إلاَّ أنَّ هذه النفوس التي استعرضنا بعضًا من سماتها وملامحها في صدر هذا الكلام لا يفصل إحداها عن الأخرى في الإنسان حَدٌّ فاصلٌ، أو حاجزٌ لا يمكن تجاوزه واختراقه، فـ"النفس الأمارة بالسوء"موجودة حاضرة مع كل نفس، تتوارى أحيانًا إلى حدّ الظنّ بأنها لم يعد لها وجود، ثم لا تلبث حتى تخرج رأسها من بعض ثغورٍ ضعيفة غفل الإنسان عن تحصينها جيدًا، وقد تضعف وتهزل وربما دخلتْ مرحلة الاحتضار إلاَّ أنها لا تموت، وسرعان ما تتراءى وكأنها قد استردّت قوتها وعافيتها حتى أن أكابر الأولياء والأصفياء والبررة الأتقياء يستغيثون بالله منها، ويرجون عونه تعالى ليظهروا عليها، وإلى هذا المعنى يكتب"النورسي"إلى طلبته موجهًا:
"إخوتي الأعزاء الأوفياء:"
لقد أخطر إلى قلبي أن أبين لكم حقيقة لئلا يتهم بعضكم بعضًا بالأنانية وعدم الوفاء لقد رأيتُ -يومًا- من وليٍّ عظيم قد ترك الأنانية وانْمَحْت نفسه الأمَّارةُ، رأيتُ منه يشكو بشدّةٍ من النفس الأمَّارة. فحرتُ في الأمر. ثمَّ عَرَفْتُ يقينًا إنه لأجل إدامة المجاهدة المثابة عليها إلى نهاية العمر تتحول أعتدة النفس الأمارة بموتها إلى العروق والمشاعر.
وهكذا يشكو أولئك الأولياء العظام من هذا العدو الثاني الوارث للنفس الأمَّارة"."
ويمضي"النورسي"قائلًا:
"بل إنَّ بعضًا مِمَّنْ هم في أعلى المقامات يعدون أنفسهم أكثر الناس ضعفًا وعجزًا وإفلاسًا لأنهم لا يستشعرون إحسانًا إلهيًا أُنعم عليهم، مما يدل على أن الكشف والكرامة والأذواق والأنوار التي تعتبر في نظر العوام مدار الكمالات لا تكون قطعًا محكًا ولا مدارًا لتلك المقامات والقيمة المعنوية". (1)
11ـ حياة النورسي وانعكاساتها على حياة طلبته
(1) الشعاعات 389