الصفحة 2489 من 3036

فالدُّعاء والتضرع يحرر صاحبه من أغلال الأحزان، ويُحَوِلُ الحزنَ من كونِهِ عامِلَ تثبيطٍ وتيئيسٍ إلى طاقة إعمار وتشييد، حتى لكأنَّ"الإيمان"المكّبل في زمانه بألف قيدٍ وقيد، قد وَجَدَ فيه النجدة الروعاء، والهمّة القعساء، والعزيمة والمضاء، وتلكم هي ضالّةُ"الإيمان"التي يفتش عنها في رجولة الرجال ، ومعادن الأبطال.

وَلِعِظَمِ الرسالةِ المنوطةِ بالإنسان خلق الله تعالى له عالمي الغيب والشهادة، وأنشأ من أجله الدنيا والآخرة، ودعاه إلى معرفته، وطالبه بالشكر على آلائه وإنعامه، وحثَّهُ على الدعاء، وضَمِن له الإجابة، (و قال ربُّكُمْ أُدعوني أستجبْ لكم) (غافر:60) ، أي: أدعوني أُجبكم فيما طلبتم، وأعطكم ما سألتم. قال ابن كثير: نَدَبَ تعالى عِبَادهُ إلى دعائه وتكفّل لهم بالإجابة، فضلًا منه وكرمًا" (1) . فهو تعالى رحمان رحيم قبل السؤال، فكيف لا يكون الرحمنَ الرحيم بعد السؤال..؟"

فالدُّعاء والتّضَرعُ يطرق أبواب الرحمة الإلهية، وينزل شآبيبها من فوق السموات السبع، فلولا دعاؤنا لم يلتفتْ إلينا ربُّنا، ولم يكترث بشأننا، فكيف يجيب الربُّ جَلَّ شأنهُ مَنْ لا يسأله، أو يلتفت إلى مَنْ يعرض عنه، وكيف يغيث مَنْ لم يستغث به..؟ (قُلْ ما يعبأُ بكم ربيّ لولا دعاؤكم) (الفرقان:77) أي:

(1) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم4/86. محمد علي الصابوني، صفوة التفاسيرـ سورة غافر - الجزء الثاني ص 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت