... وبدأت ظواهر الفساد تدب وتبرز إلى السطح بعد أن خدعت كثيرًا من المفكرين بكلام معسول عن الاستبداد والحرية والمساواة والإخاء..!! وبدأ سيل الصحف يمارس دورًا جديدًا للترويج للعلمانية والأفكار الغربية وتجاوز الأمر إلى ظهور المقالات والكتب الإلحادية لأن الميدان قد خلا بعد السلطان عبد الحميد للمفتونين بالحضارة الغربية ومن الصحف التي شاعت (الفلسفة) (الذكاء) (البيانو) (1) .
... ولذلك بادر النورسي إلى الانضمام إلى جمعية (الاتحاد المحمدي) التي أسسها بعض أهل الغيرة من وجوه المجتمع لمواجهة الأفكار الجديدة التي بدأت تدندن حول القومية التركية وتجعلها المنطلق وتروج للطورانية (2) كما بينا في المبحث الخاص بالقومية التركية.
... وحضر الإمام النورسي اجتماع الافتتاح وألقى خطبة حث فيها على التمسك بالإسلام وتكلم بالقضايا المهمة (3) ،"وفي هذه الصفحة يبدأ كفاح بديع الزمان في خط الاتحاد الإسلامي" (4) .
... وقد حاولت جمعية الاتحاد والترقي أن تغريه لقبول عضويتها وكان مصطفى كمال أتاتورك هو الذي دعاه لذلك ولكنه أجاب بقوله:"إنني أريد أن أجاهد في أخطر الأمكنة وليس من وراء الخنادق وأنا أرى أن مكاني هذا أخطر من الأناضول".
... وأول احتكاك مع الانقلابيين كان عند وصوله إلى مجلس النواب سنة (1922م) فوجد أن معظم النواب لا يؤدون الصلاة فصرخ صرخته:
..."يا أيها المبعوثون إنكم مبعوثون ليوم عظيم"وغضب مصطفى كمال لذلك فقال: إننا بحاجة إلى أستاذ قدير مثلك، لقد دعوناك إلى هنا للاستفادة من آرائك المهمة، ولكن أول عمل قمت به لنا هو الحديث عن الصلاة، لقد كان أول جهدكم هنا هو بث الفرقة بين أهل هذا المجلس..!!
... فأجابه بديع الزمان مشيرًا إليه بإصبعه في حدة:
(1) نفس المرجع: 38.
(2) نفس المرجع: 40.
(3) نفس المرجع السابق.
(4) د. حسين جليك، مرجع سابق: 538.