..."نحن معاشر المسلمين، الدين والملية عندنا متحدان بالذات، والاختلاف اعتباري، أي ظاهري عرضي، بل الدين هو حياة الملية وروحها فإذا ما نظر إليهما بأنهما مختلفان ومتباينان فإن الحمية الدينية تشمل العوام والخواص بينما الحمية الملية تنحصر في واحد بالمائة من الناس ممن يضحي بمنفعته الشخصية لأجل الأمة وعليه فلا بد أن تكون الحمية الدينية أساسًا في الحقوق العامة، وتكون الملية خادمة منقادة لها وسائدة حصينة لها ... فنحن الشرقيين لا نشبه الغربيين، إذ المهيمن على قلوبنا الشعور الديني، فإن بعث الأنبياء في الشرق يشير به القدر الإلهي إلى أن الشعور الديني وحده هو الذي يستنهض الشرق ويسوقه إلى الرقي والتقدم ..." (1) .
... وهكذا لم يستطع الإمام النورسي أن يقف مكتوف الأيدي فخرج من شخصيته (سعيد الجديد) المعتزل المتأمل إلى شخصية (سعيد القديم) أي الناصح الناقد للأمور السياسية والاجتماعية ليكتب بحثًا مفصلًا عن القومية، فقال:"اضطررت إلى كتابة هذا المبحث بنية خدمة القرآن العظيم وعلى أمل إنشاء سد أمام الهجمات الظالمة" (2) .
الإمام النورسي في مواجهة تحديات الاتحاديين:
... جاءت جمعية الاتحاد والترقي إلى سدة الحكم بانقلاب سلمي سنة (1908م) وهو ما سمي بالمشروطية، وكان النورسي في مدينة سلانيك في هذا الوقت والتقى ببعض قادة الاتحاد والترقي ومنهم (قره صو) اليهودي الماسوني المشهور وحاول (قره صو) ضم النورسي إلى جمعية الاتحاد والترقي ولكنه فشل في ذلك بل قال:"كاد أن يجعلني مسلمًا..!!" (3) .
... وعندما أعلن الدستور (المشروطية) وقف النورسي خطيبًا في سلانيك يؤيد ذلك لإيمانه بالحرية والشورى (4) .
(1) بديع الزمان سعيد النورسي الخطبة الشامية ترجمة و تحقيق إحسان قاسم الصالحي- سوزلر استانبول 1409هـ - 1989م: 77.
(2) المكتوبات: 413 - 414.
(3) أورخان محمد علي: مرجع سابق: 38.
(4) نفس المرجع: 37.