فهرس الكتاب
وكان النورسي من قوة الإيمان، واطمئنان اليقين وعزة النفس وصلابة الشخصية وعظم الشجاعة، بحيث كان يستطيع إدارة المعركة الدموية، ومواجهة الحكام في زمانه مواجهة صريحة هادرة، ولكنه كان موقنا بان ذلك الأسلوب لم يكن في مصلحة الأمة. وكان يدرك تماما أن الأمة في صراعها الداخلي يومئذ لم تكن بحاجة إلى الشهداء، وإنما كان بأمس الحاجة إلى العلماء الصادقين - والدعاة العاملين والحكماء المفكرين، من أجل إنقاذ الإيمان، والوقوف أمام الردة الحضارية والزحف الجاهلي، متمثلًا بالحقد الصليبي والتآمر اليهودي، وخيانة المنافقين.
وأما في مجال العقيدة الإسلامية، فقد اقتنع النورسي أنه لم يعد يكفي في إدارة صراع الزمن الجديد، علم الكلام المصطلحي، الذي كان يتعامل مع مادة معرفية عتيقة انتهى عهده، وولت صراعاته اللاهوتية النظرية.
نعم، لم يعد يكفي منهج المتكلم المعتزلي الذي دخل في جدال تجريدي من أجل إبعاد مفهوم الصفات الإلهية عن الأقانيم النصرانية، محاولة منع المسلمين من الوقوع في شرك موهوم وتجسيد رواقي مستورد.
ولم يعد يفيد الأمة منهج حفظة النصوص في مواجهة المعتزلة، في الدعوة إلى عدم الخلط بين أوراق الإسلام وأوراق الصراعات اللاهوتية ومصطلحاتها.
وكذلك لم يكن يسعف في المعركة الجديدة، منهج الأشاعرة في نفي التطرف من التجسيم الحشوي والعقلاني المعتزلى، ومحاولة التقريب بينهما ليقدم حلا وسطا في المسائل المتعلقة بالتوفيق بين النقل والعقل في علم الكلام القديم الذي كان يشكل فكرًا مرحليًا مقبولًا يومئذ بين المسلمين أو جمهورهم.
وأخيرا هل كان ينهى مواجهتنا مع أخلاقيات الحضارة المادية في إطار جاهلية شاملة، منهج الزهاد الذين يظلون يسيرون في مدارج السالكين دون التفكير بالعودة إلى الأرض ليقودوا حركة مواجهة طغيان هذه الجاهلية العالمية، وأدواتها السلوكية المدمرّة.