الصفحة 2662 من 3036

وحينئذ يظهر اسم الحكمة، وتسقط براقع القوة العمياء والطبيعة الصماء، والأسباب التائهة والصدفة العشواء، لتذوب في دائرة المحال بألف وجه من الوجوه. (1)

إن ملاحظة نظام العالم في ظل هذه القراءة الربانية الكاشفة عن حركة الكائنات، وفقرها الى الخالق العظيم، هو الذي يدخل الطمأنينة الواعية في الكيان الإنساني. لأنه حينئذ يشعر بان استمداد وجوده من الله تعالى هو جزء من فقر الكائنات إليه. (2)

فكيف يعيش الإنسان بعد ذلك في دائرة ذاته أو عالمه المادي، بدون شعور داخلي عميق متأجج بأنه عبد من عباد الله في هذا الكون الرحيب.

وقد يسألنا سائل فيقول: إذن أي عقل يريده النورسي في معرفته النورية إلى الله سبحانه؟

نقول:

انه يريد العقل الذي يبيع نفسه إلى الخالق عز وجل، ولا يجعل نفسه ندا متمردا عليه سبحانه، لأنك إن لم تستعمله في سبيل كشف الحقيقة الربانية، بل جعلته يستسلم إلى الهوى والنفس الطاغية، فانه يتحول إلى عضو مشؤوم، إذ يحمّلك آلام الماضي الحزينة وأهوال المستقبل المخيفة.

ولكن إذا سلكت بالعقل في سبيل الله وبعته لله، فانه حينئذ يكون مفتاحا رائعا يفتح مالا يعد من خزائن الرحمة الإلهية، وكنوز الحكمة الربانية. فأينما ينظر صاحبه وكيفما يفكر يرى الحكمة الإلهية في كل شئ وكل موجود وكل حادثة، ويشاهد الرحمة الإلهية متجلية على الوجود كله، فيرقى العقل بهذا إلى مرتبة عقل مرشد رباني يهيئ صاحبه للسعادة الخالدة. (3)

ويحذر النورسي من شرور العقل إذا انفرد بموضع الأساس المعرفي للوجود بموازينه المحدودة ومنطلقاته المنفردة الخاطئة.

لماذا ؟

لأنه ـ في حالة الشرود ـ سيجعل القوة نقطة الاستناد في الحياة الاجتماعية، ويلتزم بالتعصب العنصري البغيض الذي ينتهي إلى الخصام والتمزق في الكيان البشري.

(1) - الكلمات: 179 ـ 184

(2) - الكلمات: ص 6 ـ 8

(3) - الكلمات: ص 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت