الصفحة 2663 من 3036

وبعد استقراءات عميقة واسعة للحضارة العقلية المتمردة المعاصرة، انتهى إلى أن شأن القوة الاعتداء، وشأن المنفعة هو التزاحم، وشأن الصراع هو النزاع والجدال، وشأن العنصرية هو التجاوز على الآخرين.

بينما إذا انضم العقل إلى الكينونة الإنسانية، استند حينئذ إلى حكمة القرآن الكريم، فعوض عن النظرة المدمرة للحياة نظرة أخرى راحمة، فيترك القوة ويتمسك بالحق، ويستبدل بالمنفعة الوقوف عند الفضائل ويعتمد على التعاون أساسا في الحياة بدل الصراع. وبذلك تتحقق الإنسانية في أعلى مستوياتها في ظل عبودية المخلوقات كافة لرب العالمين (1)

إن العقل بهذا المعنى الدقيق، المندمج في الكيان الإنساني المتكامل ضمن طاقاته واستعداداته المتنوعة، يحوّل الكائنات المعروضة أمامه من الأسرار الدقيقة المشاهدة في عالمي الأنفس والآفاق إلى علم كلام مفتوح، يمثل صفحة واضحة، يجد فيها المرء براهين قاطعة على الخالق العظيم، ويشعر بأنس عجيب مع الكائنات كلها، لأنه يقرأ فيها فطرته التي كانت ضائعة تائهة مشوهة في بيداء ظلمات الكفر والتيه والانحراف والظلم والشرك.

وإذا رجعنا فسألنا ما رأى النورسي في المعرفة الحدسية أو الإلهامية التي تظهر بالكشف عبر الرياضة الروحية في مدارج السالكين إلى الله تعالى.

نقول، يؤمن النورسي بأصل هذا الطريق، ويقول إن وجوده يقين جازم في أخبار أهل الذوق والكشف (2)

ولكن تفاصيله ليست قطعية، إذ من الممكن أن يحصل خطأ أو تشويه في حكم من أحكامه ومشاهداته، في حالة الشهود، التي لا ضوابط ولا حدود لها. والكتاب والسنة هما الميزان لتصحيح الأخطاء. ولذلك يقول"ولا ريب أن أهل الشهود هؤلاء عندما يرقون إلى مقام الأصفياء سيدركون خطأهم بأنفسهم بإرشاد الكتاب والسنة ويصححونها. وقد صححها قسم منهم" (3)

(1) - الكلمات: ص 145

(2) - الكلمات: ص 24 ، 157 ، 255 على سبيل المثال .

(3) - المكتوبات: ص 102 والشعاعات ص 158

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت