فهرس الكتاب
أما القرآن الكريم فانه ينظر الى الدنيا على أنها عابرة سيالة، خداعة سيارة. متقلبة لا قرار لها ولا ثبات. لذا يذكر خواص الموجودات وماهياتها المادية الظاهرة ذكرا مجملا مقتضبا، بينما يفصل تفصيلا لدى بيانه وظائفها التي تنم عن عبوديتها التي أناطها بها الصانع الجليل. ولدى بيانه مدى انقياد الموجودات للأوامر التكوينية الإلهية، وكيف وبأي وجه من وجوهها تدل على أسماء صانعها الحسنى. (1)
ومن هنا فان النورسي لا يؤمن بالمعرفة الجزئية التي كانت تعالج بمعزل عن القرآن الكريم. وكان يعدها من نقائص العقل البشرى، بينما هو يعكس القضية، فينطلق من القرآن إلى التوغل في جزئيات الوجود. فهو بذلك طريق أمين. إذ في الأول قد يضيع الباحث عن الحقيقة ويخرج على المحور. وأما في الثاني، فالمحور واضح وأرض صلدة. فلا خوف على من يبدأ بالقرآن، لأنه شجرة تمثل جميع الأغصان، على حين أن الأفكار البشرية أغصانها منفردة . (2) بسبب أن القرآن الكريم جمع بين القيم التي تنبثق من أسماء الله الحسنى جمعا متوازنا متسقا لا تنفصم عراه. بينما الأفكار البشرية تعرض القيم عرضا منفردا متأثرة بالزمان والمكان. فما يكون قيمة لا يعود في زمان آخر. وما يعمل به في مكان قد يترك في مكان آخر لتغلب المصلحة الذاتية والظروف المتقلبة.
فإذا كان ذلك كذلك، فان طريق القرآن الكريم هو وحده الذي يوصل إلى الله سبحانه، لأنه اقرب الطرق إلى إثارة الفطرة الإنسانية وتحريك العقول الباحثة والقلوب العامرة بالتوثب الدائم، وأكثرها انطباقا على آيات الأنفس والآفاق، (3) لأن الوجود قرآن واحد بثلاثة وجوه.
إذن فأصول المعرفة التي آمن بها النورسي، هي الأصول القرآنية التي يأخذ بعضها برقاب البعض الآخر من الحس والعقل، لكن في اندماج قرآني واحد.
(1) - الكلمات: 508
(2) - الكلمات: 425
(3) - المثنوي العربي النوري ص 428