فهرس الكتاب
وقارئ رسائل النور يدرك هذا تمام الإدراك، ويستطيع أن يميّز مؤلفها الإمام النورسي عن بقية المجددين في زمانه، كالأفغانى ومحمد عبده ومحمد إقبال وحسن البنّا وعبد الحميد بن باديس رحمهم الله تعالى. فهؤلاء لم تُلجئهم ظروفهم الزمانية والمكانية الى معالجة كل جزئية من جزئيات الإسلام بأدلتها التفصيلية وقواعدها المنطقية، ولا ردّوا كل الشبهات المثارة في زمانهم حول الإسلام، ولا دخلوا في صراع فكرى تفصيلي مع الكفر، وإنما حددوا المنهج والتوجّه والحركة، وبيّنوا أسس الفكر الإسلامى الحديث، وتركوا لأتباعهم الكثيرين القيام بمثل تلك الدراسات والمواجهات والمعالجات.
بينما الظروف"الزمكانية"للشيخ النورسي جعلت منه فارس الميدان الوحيد بحيث ملأ مجتمعه علمًا وتوجيهًا ومعالجة ومعارك فكرية، استعمل فيها عبقريته العلمية، ومادته المعرفية، وخصص لها كل ما أوتي من الفكر والحكمة والشجاعة والإقدام.
ولاشك أن عزلته ووحدته وسجنه والإقامات الجبرية الدائمة التي فرضت عليه، كانت سببًا مهمًا من أسباب هذا التوجه والتي نقّت قلبه وصفّت فكره، وأدمجته بأعماق الوجود الكونى والإنسانى.
أما مخططه المتكامل فيظهر من معالم التجديد الآتية في حياة النورسي:
-انه تلميذ أمين من تلامذة القرآن الكريم، لا يتبع التجربة الصوفية الضيقة، ذات النفق الواحد، حتى في قمة صفائها، ولا يعدّها مصدرًا مناسبًا من مصادر المعرفة التي يمكن أن تواجه اكتساح الحضارة الغربية المادية المعاصرة لحياة ملة الإسلام والإنسانية فالعصر ليس عصر التصوف وإنما هو عصر إنقاذ الإيمان والإسلام (1) .
(1) - اللمعات: 245 ،246 . المكتوبات: 79