فهرس الكتاب
وهو مثلهم يؤمن بضرورة الدخول في العصر الحضاري الجديد، ويؤمن بضرورة إيجاد علم كلام جديد، يقود حركة الفكر الإسلامي المعاصر، بمقابلة الفكر الغربي الجديد .
وموقفه من الفلسفة الغربية خاصة والحضارة الحديثة عامة، هو نفس موقف مدرسة الأفغاني. (1)
ولكن مع كل ذلك التشابه، لا يمكن أن يعد تلميذا في مدرسة الأفغاني كمحمد عبده والشيخ رشيد رضا، لأن شخصية الإمام سعيد النورسي شخصية منفردة متميزة ، لا يمكن أن يعد تلميذا في مدرسة معينة قديمة أو حديثة .
لماذا ؟
لأن النورسي ينطلق مباشرة من القرائين الثلاثة، بلا وساطة ولا حدود تقوده إليها .
أولا: القرآن المقروء الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، خاتم الأنبياء والمرسلين .
ثانيا: القرآن المنظور الذي هو الكون الذي نعيش فيه، بما فيه من آيات الأنفس والآفاق .
ثالثا: القرآن الناطق الذي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، بتفاصيل سيرته الجزئية والكلية المتكاملة .
وهو يستعين في هذا الانطلاق بقدرة سَرَيانية عميقة، من خلال ذوبان كامل في إطار القدرة البشرية في إدراك أسرار نسيج كل خلية من خلايا القرائين الثلاثة . فيصل من ذلك كله إلى اكتشاف تجليات المعاني الدقيقة لأسماء الله الحسنى في كل كون قرآني من الأكوان الثلاثة ، ثم يدمجها في كلٍ واحدٍ، فيصوغها صياغة موحدة تشكل نظرته الشاملة للوجود، التي تمثل فطرة الخلق الواحدة من أعماق عالم الإنسان إلى أعماق العالم الخارجي الذي يحيط به ، من الجمادات إلى النباتات إلى الحيوانات إلى الإنسان إلى عالم الملكوت في الكون كله .
وبناء على ذلك فقد جاء خطاب النورسي موجها إلى الإنسانية عامة، وليس المسلمين فحسب ، لأنه يتكلم من خلال حقيقة رابطة تربط بين أجزاء الأكوان الثلاثة، وهي حقيقة الفطرة .
(1) - راجع كتابنا: النورسي متكلم العصر الحديث ، حيث بينت هذه القضايا بالتفصيل.