فهرس الكتاب
فمن أي قرآن من القرائين الثلاثة يبدأ الإنسان ينتهي الى القرآن، أي إلى الحقيقة نفسها، الى الفطرة نفسها .
فالمسلم الذي يبدأ من القرآن المنظور والناطق، ينتهي إلى حقائق القرآن المنظور ، والمادي الذي يبدأ من القرآن المنظور ينتهي إلى القرآن المقروء، شريطة أن يكون هدفه الوصول الى الحقيقة الكونية دون تعصب وتزمت. (1)
حينئذ يدخل الإنسان المادي في الإسلام، إسلام الكون كله لله، لأنه سار في ظلال تجليات الأسماء الحسنى وأدرك أنصبة البشرية منها. (2)
نعم يدخل في حقيقة إسلام المخلوقات لله تعالى، حتى لو لم يستطع أن يدرك بعض تفاصيل الشريعة الاجتماعية التي جاء بها الإسلام، والتي تنبثق من الوحي الإلهي لا من الفكر الاجتهادي. وإذا كان ذلك الإنسان المادي مخلصا في مسيرته الكونية سيدرك تلك التفاصيل الجزئية أيضا. لأنه سيفهمها كل في ظل المنهج المعرفي الواحد، الذي وجه كينونة الإنسانية بشمولية وتوازن، وأجلسه على قاعدة أمينة للانطلاق.
لقد أدرك النورسي في مخطط فرض النمط الغربي على العالم الإسلامي بالقوة، أن العالم كله في خطر، وان النظام الفكري الإلحادي اللاديني الذي يريده أعداء الله أن يفرضوه على الإنسانية، ولا سيما المسلمين يؤدي بها إلى الانتحار الحضاري، وهو فقدان العقيدة، وفقدان القيم ، لأن ذلك النظام اللاديني عندما أنكر وجود الله تعالى أو أنكر خطابه، بنى على ذلك إنكار القيم المنبثقة من أسمائه الحسنى .
فعندما يكون الإنسان في فراغ قيمي يتغلب على تفلسفه الفكر الحيواني . وتظهر تلك الحيوانية على الاتجاه الفكري الحديث عند داروين وفرويد وماركس واوجست كونت وغيرهم من المفكرين .
(1) - الكلمات ص 375-379
(2) - الكلمات ص 749