فهرس الكتاب
لم يمر على المسلمين زمن كانوا بحاجة شديدة إلى تحديد هويتهم الإيمانية والاجتماعية والحضارية كحاجتهم إليه اليوم. فقد تكدست عليهم عوامل التأخر وتكالبت عليهم جموع الأعداء الذين استغلوا ضعفهم وتأخرهم وسقوطهم الحضاري ليصيدوا إليهم أفكارهم المادية وفلسفاتهم الجاحدة، وقيمهم النسبية وأنماط حياتهم الاجتماعية. من اجل إدماجهم في نسيج الحضارة المادية الحاضرة. ومن المعلوم أن هذه المأساة ليست بنت اليوم، وإنما بدأت مع طلائع الاحتكاك بالحضارة الأوربية منذ بدايات القرن التاسع عشر، ثم انداحت موجاتها شيئا فشيئا حتى استقرت في الانقلابات اللادينية، التي استعملت العنف والقوة في فرض اللادينية، والتخطيط للقضاء على الإسلام، عقيدة وشريعة وأخلاقًا وحضارة. وكادت هذه الفواجع المروعة أن تسلخ المسلمين نهائيا من حضارتهم، بعد أن تحقق للدوائر السرية والعلنية المعادية استلاب العقل المسلم والمجتمع المسلم والدولة المسلمة. ولاسيما تحت مظلمة الاستعمار الغربي والشرقي لمعظم بلاد المسلمين.
إن غزو الحضارة الغربية لمجتمعاتنا فضح الأمراض القاتلة لمجتمعاتنا الإسلامية، والتي تجسدت في الجهل والجوع والمرض، بجانب جهل الإسلام وعدم الوعي بحركة الحياة ومرحلة التطور الإنساني، حين مجابهة التغريب اللاديني والاستسلام المطلق للفكر الغيبي الخرافي اللاتيني الذي تحول بمرور الزمن إلى ثقافة مقدسة، ملأت حياة المسلمين الفارغة في العصور الأخيرة، وأبعدتها عن إدراك السنن الإلهية لقيام المجتمعات وسقوطها أو لعوامل النصر والهزيمة في حياة الشعوب والأمم.