فهرس الكتاب
-أولا: أكثرَ النورسي رحمه الله من أساليب التحدي برسائل النور؛ مما قد يوهم في ظاهره أنه كان معجبا بنفسه أو بفكره، مع أنه كان رحمه الله من أشد علماء عصره إنكارا للذات! والسبب في ذلك أنه إنما كان يتحدى أهل الإلحاد والزندقة، الذين أعلنوا التمرد على الله جل وعلا! حيث كانت موجات الإلحاد آنئذ تكتسح العالم الإسلامي، باسم الفلسفة حينا، وباسم الثورية حينا آخر، مع انتشار أنصار الفكر الماركسي اللنيني في كل مكان! وطغيان العلمانية المناهضة للدين وللإيمان في تركيا التي قادت حركة تجفيف منابع الدين في كل البلاد! فغلقت كثيرا من المساجد وحولت بعضها إلى متاحف! وأصدرت قوانين تحظر الأذان الشرعي، والخط العربي، وتدريس الدين بالمدارس، وتمنع كل مظاهر التدين الاجتماعية، في الأزياء والأشكال والألقاب؛ حتى صار الناس يخفون المصاحف عن العيون ويُهَرِّبونها كما تُهَرَّب الممنوعات! ومن ضُبِط متلبسا بشيء من ذلك شنق على مرأى من الناس، وعلق على رؤوس الأعمدة الكهربائية في الشوارع والطرقات! فما بالك إذن بعالِم يخرج على الناس في مثل هذه الظروف الرهيبة يدعو إلى الإيمان بملء صوته؟ إنه لم يكن أمام بديع الزمان إلا إعلان التحدي! وإلا فقد ضرب أروع الأمثلة رحمه الله في نكران الذات! وقد اشتهرت كلمته في مخاطبة نفسه قائلا: (يا سعيد! كن صعيدًا! في نكران تام للذات، وترك كلي للأنانية، وتواضع مطلق كالتراب؛ لئلا تعكر صفو رسائل النور، وتقلل من تأثيرها في النفوس!) (1) وكذلك قد كان!
ونظرة سريعة في ملخص (كرونولوجيا) حياته وأهم أحداث زمانه رحمه الله - كما سترى بعد هذه المقدمة بحول الله - تنبئك عن طبيعة حياته كيف عاشها، وعن الظروف التي كتبت فيها رسائل النور، وأنتج فيها فكره.
(1) الملاحق في فقه دعوة النور: 110.