الصفحة 295 من 3036

"فعلى غرار هذا المثال، فإن لكل شيء حظًا من الربوبية العامة والرحمة الشاملة لواجب الوجود والخالق الحكيم، أي أن كل شيء ذو علاقة معه بصورة خاصة في الجهة التي حظي بها، وأن له تصرفًا في كل شيء بقدرته وإرادته وعلمه المحيط، فربوبيته شاملة كل شيء حتى أصغر الأفعال، وكل شيء محتاج إليه سبحانه في كل شأن من شؤونه، فتقضى أموره، وتنظّم أفعاله بعلمه وحكمته جل وعلا". (1)

والمعنى البسيط المستفاد من تعليق النورسي هو أن مقتضيات الربوبية كثيرة بكثرة مفعولات اللّه، فما من مخلوق إلا ونال نصيبه الكامل منها، أو بمعنى أدق أن اشتمالها على أسماء وصفات لها تعلقها المباشر بالمخلوقات، وتجليها الخاص على كل واحد منها، قد جعل كل موجود يحظى بحقوقه منها، سواء من احتياجاته الخاصة أو العامة.

الحكم العدل

دعا النورسي كل من يريد مشاهدة تجلى حكمة اللّه وعلمه، وهما من أسماء اللّه الرحمن الرحيم الحق، وضمن دائرة واسعة النطاق وبعيدة المدى، إلى إعادة النظر مرة بعد أخرى في هذا المثل:

"جيش يضم أربعمائة طائفة متنوعة من الجنود كل منها تختلف عن الأخرى فيما يعجبها من ملابس، وتتباين فيما تشتهيه من أطعمة، وتتغاير فيما تستعمله بيسر من أسلحة، وتتنوع فيما تتناوله من علاجات تناسبها، فعلى الرغم من هذا التباين والاختلاف في كل شيء، فإن تلك الطوائف الأربعمائة لا تتميز إلى فرق وأفواج، بل يتشابك بعضها في بعض من دون تمييز، فإذا ما وجد سلطان واحد يعطى لكل طائفة ما يليق بها من ملابس، وما يلائمها من أرزاق، وما يناسبها من علاج، وما يوافقها من سلاح، بلا نسيان لأحد، ولا التباس ولا اختلاط، ومن دون أن يكون له مساعد أو معين، بل يوزعها كلها عليهم بذاته، بما يتصف به من رحمة ورأفة وقدرة، وعلم معجز، وإحاطة تامة بالأمور كلها، مع عدالة فائقة وحكمة تامة."

(1) نفس المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت