الصفحة 319 من 3036

فإذا دخل رجلان إلى الغرفة واطلع أحدهما على إحدى هذه المرايا، فإنه يعتقد بأنه يرى جميع الأشياء مرتسمة فيها، وعندما يسمع بوجود مرايا أخرى وما فيها من صور، فإنه يعتقد بأنها صور المرايا التي تنعكس على مرآته نفسها والتي لا تشغل إلا حيزًا صغيرًا منها، بعد أن تضاءلت صورتها مرتين وتغيرت حقيقتها، فيقول:

إنني أرى الصورة هكذا، إذن فهذه هي الحقيقة.

فيقول له الرجل الثاني:

نعم إنك ترى ذلك وما تراه صحيح. ولكن ليس هو في الواقع الصورة نفسها، فهناك مرايا أخرى غير المرآة التي تحدق فيها. وتلك المرايا ليست صغيرة وضئيلة ومنعكسة من الظلال كما تراها في مرآتك". (1) "

إذن فإن تغطية جدران الغرفة الأربعة بالمرايا، يجعل جدارًا عاكسًا لجانب أو لآخر منها. وتتداخل المناظر بعضها في بعض بشكل يوهم الوالج فيها، بأنه يرى كل شيء كما لو كان حقيقيًا، ورؤيته تلك صادقة لا ريب في صدقها، ولكنها ليست الحقيقة في ذاتها. ومنها انتهى النورسي للقول:

"وهكذا فإن كل اسم من أسماء اللّه الحسنى يتطلب مرآة خاصة به على حدة، فمثلًا: إن الأسماء الحسنى أمثال الرحمن والرزاق، لما كانت أسماء حقيقية وأصلية، فإنها تقتضي موجودات لائقة بها ومخلوقات محتاجة إلى مثل هذا الرزق، ومثل هذه الرحمة". (2)

وعلى هذا فإن أسماء اللّه الحسنى أصلية وليست تابعة لأحكام ذاتية للّه تعالى، وكل اسم يقتضي ويستلزم أمرًا زائدًا يصلح له ويليق به، وهو التجلي أو التعلق، أو بمعنى أشمل ظهور وانكشاف مقتضيات الاسم وتحقق معانيه على صفحة الوجود الخارجي، تمامًا كما تتراءى حقائق الأشياء على المرآة الصافية، وتتكشف حقائقها فتتبدى مستقلة في وجودها عن الذات الإلهية.

المبارزة

(1) المكتوبات ، النورسي، ص 108،107

(2) المكتوبات ، النورسي، ص 108

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت