فهرس الكتاب
إذا كانت البلاغة عند الأدباء تعني التعبير عن المعنى تعبيرًا مطابقًا للألفاظ بلا زيادة ولا نقصان، فإن بلاغة القرآن في حد ذاتها معجزة تحدى اللّه بها المخالفين فعجزوا عن معارضته، ووجدوا فيها من الإعجاز البياني ما لا طاقة لهم به.
وضمن العديد من الشواهد والأدلة التي حاول النورسي من خلالها الكشف عن تلك البلاغة المعجزة، قوله تعالى.
{ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } (1)
وقبل أن يوضح جانب البلاغة فيها، مثل لها بقوله:
"إن قائدًا في حرب عالمية شاملة يأمر جيشه بعد إحراز النصر أوقفوا إطلاق النار، ويأمر جيشه الآخر، كفوا عن الهجوم، ففي اللحظة نفسها ينقطع إطلاق النار، ويقف الهجوم، ويتوجه إليهم قائلًا: لقد انتهى كل شيء واستولينا على الأعداء، وقد نصبت راياتنا على قمة قلاعهم، ونال أولئك الظالمون الفاسدون جزاءهم، وولوا إلى أسفل سافلين". (2)
فلا فارق زماني إذن بين إصدار الأمر العسكري بوقف العمليات الحربية، وبين توقف الجنود الفعلي عن القتال على امتداد ساحة المعركة، اللّهم إلا الفرق الضئيل بين الأمر وبين التنفيذ الفوري له، فيتوقف كل شيء وكأنه لم يكن هناك حرب ولا اقتتال، ويأتي كلام الآمر ليقرر إنجازات القتال، ونتائج المعركة، وثمرة الحرب.
وكذلك الحال مع تلك الآية، يقول النورسي.
"فإن السلطان الذي لا ندّ له ولا مثيل، قد أمر السماوات والأرض بإهلاك قوم نوح، وبعد أن امتثلا الأمر توجه إليهما: أيتها الأرض ابلعي ماءك، وأنت أيتها السماء اسكني واهدئي فقد انتهت مهمتك، فانسحب الماء فورًا من دون تريث، واستوت سفينة المأمور الإلهي كخيمة ضربت على قمة جبل، ولقي الظالمون جزاءهم."
(1) هود/ 44
(2) الكلمات- النورسي ص 434