فهرس الكتاب
فانظر إلى علو هذا الأسلوب، إذ الأرض والسماء كجنديين مطيعين مستعدين للطاعة وتلقي الأوامر، فأنت ترى أن الآية قد جمعت ببيان موجز معجز جميل مجمل في بضع جمل حادثة الطوفان التي هي عامة وشاملة مع جميع نتائجها وحقائقها". (1) "
أي يمكن النظر لبلاغة القرآن من جهات البلاغة الأربعة البيان والمعاني والفصاحة اللفظية والفصاحة المعنوية، فاللّه تعالى خاطب الأرض والسماء، وهي جماد بطريقة النداء والأمر خطابه للعقلاء المميزين:
بأن تبلع الأرض ماءها.
وأن تقلع السماء عن المطر.
فالبلع هو اجتياز الطعام والشراب دون استقرار في الفم، وهي هنا استعارة لإدخال الماء في باطن الأرض بسرعة كسرعة ازدراد البالع، وعلى أثره جفت الأرض تمامًا، لا بحرارة الشمس، ولا بهبوب الرياح، بل بفعل أرضى محض.
واختار القرآن لاحتباس المطر لفظ"اقلع"بمعنى كف وامتنع، لأنه إذا كف نزول المطر لم يحل ماء آخر محل الذي غار في الأرض، ولذلك أمرها بالبلع، لأنه السبب الرئيسي لفيض الماء، أي أمره بالنضوب وذهابه في الأرض.
وبناء الفعل للمجهول لنائب الفاعل في قوله تعالى (قُضي) لإكمال وإتمام غرق قوم نوح للعلم فقط. بأن فاعل ذلك كله ليس غير اللّه تعالى، أما النائب عن الفاعل في قوله (بعدًا) فيجري مجرى الدعاء، وكناية عن التحقير المرادف للكراهية والنفور من القوم.
الحقيقة المطلقة
من الصعب لأصحاب النظر الضيق المحدود أن يحيطوا علما بالحقيقة المطلقة، ومن ثم فهم بأمس الحاجة إلى القرآن للإحاطة بها من جميع جوانبها، وذلك لأن كل ناظر لها:
"لا يرى تمامًا بعقله الجزئي المحدود إلاّ طرفًا أو طرفين من الحقيقة الكاملة فينهمك بذلك الجانب ويعكف عليه، وينحصر فيه، فيخل بالموازنة التي بين الحقائق ويزيل تناسقها، إما بالإفراط أو التفريط". (2)
وشبّه النورسي من هذا حاله في إدراكه للحقيقة بقوله:
(1) الكلمات- النورسي ص 434
(2) الكلمات- النورسي ص 512