الصفحة 338 من 3036

"لنفرض أن كنزًا عظيمًا يضم مالا يحد من الجواهر الثمينة في قعر بحر واسع. وقد غاص غواصون مهرة في أعماق ذلك البحر بحثًا عن جواهر ذلك الكنز الثمين، ولكن عيونهم معصوبة فلا يتمكنون من معرفة أنواع تلك الجواهر الثمينة إلا بأيديهم، ولقد لقيت يد بعضهم ألماسًا طويلًا نسبيًا، فيقضي ذلك الغواص ويحكم: أن الكنز عبارة عن قضبان من الماس، وعندما يسمع من أصدقائه أوصافًا لجواهر غيرها يحسب أن تلك الجواهر التي يذكرونها ما هي إلاَّ توابع ما وجده من قضبان الألماس، وما هي إلا فصوصه ونقوشه."

ولنفرض أن آخرين لقوا شيئًا كرويًا من الياقوت وآخرين وجدوا كهربًا مربعًا، وهكذا، فكل واحد من هؤلاء الذين رأوا تلك الجواهر والأحجار الكريمة بأيديهم - دون عيونهم - يعتقد أن ما وجده من جوهر نفيس هو الأصل من ذلك الكنز ومعظمه، ويزعم أن ما يسمعه من أصدقائه زوائده وتفرعاته، وليس أصلًا للكنز". (1) "

فالحقيقة في المثل تشبه كنز موجود في الأعماق السحيقة لبحر لا حد لسعته، وزاخر بمختلف الأحجار الكريمة، ومن يغطس في أعماقه من الغواصين بحثًا عنه، لا يرونه ولا يستطيعون التعرف على ما فيه من مجوهرات، مما يضطرهم للاعتماد على حاسة اللمس وحدها، وأثناء طلبهم له، وجد البعض منهم قطعًا طويلة من الألماس ووجد البعض ياقوتًا كروي الشكل، ووجد آخرون كهربًا مربعًا، فاعتقد كل واحد منهم أن الكنز لا يحتوي إلا على ما وقعت عليه يداه، وعند سماعه بجواهر أخرى لا تشبه تلك التي لمسها، يظن أن ما عثر عليه هو الأصل، وما سمعه تابع له وملحق به.

وبناء على ما مضى فإن أي نظرة لحقائق القرآن تقتصر على جانب واحد وتغض الطرف عن الجوانب الأخرى، تفضي بالضرورة إلى اختلال في الموازنة الدقيقة بين حقائقه، فيقول النورسي بعد ذلك التشبيه مباشرة:

(1) الكلمات- النورسي ص 513،512

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت