فهرس الكتاب
"هذا النبي المبارك صلى اللّه عليه وسلم الذي هو أنبل نتائج الكائنات وأكمل ثمراتها، والمبلغ عن خالق الكون، وحبيب رب العالمين، لا تبلغ أحواله وأطواره البشرية التي ذكرتها كتب السيرة والتاريخ الإحاطة بماهيته الكاملة ولا تصل إلى حقيقة كمالاته، فأنّى لهذه الشخصية المباركة الذي كان كل من جبرائيل وميكائيل مرافقين أمينين له في غزوة بدر أن تنحصر في حالة ظاهرية أو آن تظهرها بجلاء حادثة بشرية كالتي وقعت مع صاحب الفرس الذي ابتاع صلى اللّه عليه وسلم الفرس منه، ولكنه أنكر هذا البيع وطلب من الرسول شاهدًا يصدقه فتقدم الصحابي الجليل خزيمة بالشهادة له". (1)
إن جل اهتمام كتاب السيرة وكما يفهم من وصف النورسي تركز على كمال بشريته صلى اللّه عليه وسلم وفي وقائع حياتية كثيرة ومتعددة، مع أن كمال البشرية لا يمثل إلاّ جانبًا يسيرًا من كماله المطلق الذي لا يمكن لحوادث بشرية قليلة أن تعبر عنه أو تعكسه على صفحة الوجود. ولأجل ذلك ينصح النورسي كل مريد ومطالع لسيرته صلى اللّه عليه وسلم بالآتي:
"فلئلا يقع أحد في غائلة الخطأ يلزم من يسمع أوصافه البشرية الاعتيادية أن يرفع بصره دومًا عاليًا لينظر إلى ماهيته الحقيقية، وإلى شخصيته المعنوية النورانية الشامخة في قمة مرتبة الرسالة، وإلاّ أساء الأدب، ووقع في الشبهة والوهم". (2)
والنورسي بنصيحته تلك يريد من كل مؤمن أن يتخذ من أحوال وصفات الرسول صلى اللّه عليه وسلم البشرية أساسًا ومدخلًا للتعرف على ذاته الحقيقية وشخصيته الروحية النورانية الصافية، وفي أعلى مراتب النبوة والرسالة، وإلا ظلت معرفته بعيدة عن ماهية ذاته وشخصيته، وفي حدودها الدنيا التي قد توقع في أخطاء كثيرة أجلها إيقاع الأذى بذاته الشريفة.
ولإيضاح ذلك الجانب المهمل من سيرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم، روى النورسي هذا المثل:
(1) المكتوبات- النورسي ص 123
(2) المكتوبات- النورسي ص 124،123