فهرس الكتاب
مثّل النورسي لواحدة من آثار الإيمان وتأثيره في النفوس برجلين خرج كل واحد منهما إلى جهة معينة، بقصد النزهة والتفرج والاسترواح من ناحية، وللعمل والتجارة من ناحية أخرى، ووصف الأول بأنه أناني مبالغ في حبه وإعجابه بنفسه، ساعيًا للتمتع بملذات الدنيا دون سواه، ووصف الثاني بنسبته الصريحة إلى الرب، أي رباني، فهو إذن متألّه، أو بمعنى آخر عابد للّه زاهد في الدنيا.
ثم قص ما حدث للأول عند بلوغه مقصوده من السياحة قائلًا:
"فالأناني المغرور الذي كان متشائمًا لقي بلدًا في غاية السوء والشؤم في نظره جزاءً وفاقًا على تشاؤمه، حتى إنه كان يرى - أينما اتجه - عجزة مساكين يصرخون ويولولون بأيدي رجال طغاة قساة ومن أعمالهم المدمرة، فرأى هذه الحالة المؤلمة الحزينة في كل ما يزوره من أماكن، حتى اتخذت المملكة كلها في نظره شكل مأتم عام، فلم يجد لنفسه علاجًا لحاله المؤلم المظلم غير السكر، فرمى نفسه في نشوته لكيلا يشعر بحاله، إذ صار كل واحد من أهل هذه المملكة يتراءى له عدوًا يتربص به، وأجنبيًا يتنكر له، فظل في عذاب وجداني مؤلم، لما يرى فيما حوله من جنائز مرعبة، ويتامى يبكون بكاءًا يائسًا مريرًا". (1)
إن انطواء ذلك الرجل على ذاته، واستيلاء الفردية على سلوكه وغلبتها على أفعاله أورثه بالضرورة روح الاستياء والكراهية، أي الحالة الأسوأ من بين جميع الحالات النفسية، فاصبح ينظر إلى كل شيء نظرة سوداوية أفسدت عليه جمالها وحسنها وبهاءها ورونقها، وأحالت الموجودات إلى جنائز متحركة مجردة عن بهجة الحياة وأفراحها، حتى غدا العالم في نظره مجتمعًا كبيرًا يسوده الحزن وتعمه الكآبة، ويسيطر عليه الغم.
(1) الكلمات - النورسي ص 9