فهرس الكتاب
"فليس الزمن الغابر إذ ذاك مقبرة عظمى كما يُتَوَهَمُ بل كل عصر من عصوره كما تشهده بصيرة القلب زاخر بوظائف عبودية تحت قيادة نبي مرسل، أو طائفة من الأولياء الصالحين، يدير تلك الوظيفة السامية ويعمها ويرسخ أركانها في الرعية على أتم وجه وأكمل صورة."
عندما يلتفت إلى يساره يتراءى له من بعيد بمنظار نور الإيمان - أن هناك انقلابات برزخية وأخروية - وهي بفخامة الجبال الشواهق قصور سعادة الجنان، وقد مرت فيها مضايف الرحمن مدًا لا أول لها ولا آخر، فيتيقن بأن كل حادثة من حوادث الكون، كالأعاصير والزلازل والطاعون وأمثالها، إنما هي مسخرات موظفات مأمورات، فيرى أن عواصف الربيع والمطر وأمثالها من الحوادث التي تبدو حزينة سمجة ما هي في الحقيقة والمعنى إلا مدار الحكم اللطيفة، حتى إنه يرى الموت مقدمة لحياة أبدية، ويرى القبر باب سعادة خالدة، وقس على المنوال سائر الجهات بتطبيق الحقيقة على المثال". (1) "
ومقصوده أن نور الإيمان يتجاوز تلك المعاني الضيقة ليترقى بالمؤمن فيكشف له الأشياء كلها بنسبتها الاستنادية للّه تعالى، فلأجل ذلك عد علمًا من نوع خاص يتخطى القشرة السطحية لمعاني الأشياء وينفذ إلى باطنها. فتتجلى له على حقيقتها الإلهية.
وعلى ضوء ذلك فلا الزمان الماضي مقبرة كبيرة واسعة للأموات يسودها الصمت الرهيب، بل تاريخ مفعم بالحيوية والعبادة ونور الإيمان، ولا الموت عدم وفناء، بل بداية لحياة جديدة وعالم آخر، ولا تحمل تغيرات الطبيعة وثوراتها المدمرة الدمار والخراب للبشرية، بل أدوات طيعة بيد القدرة الإلهية يسوقها لحكم ومقاصد خيرة.
أثر الإيمان
(1) الكلمات - النورسي ص 352