الصفحة 366 من 3036

"فذاكما الجبلان هما: بداية الحياة ومنتهاها، أي هما عالم الأرض وعالم البرزخ، وذلك الجسر هو طريق الحياة، والطريق الأيمن هو الماضي من الزمن، والطريق الأيسر هو المستقبل منه، أما المصباح اليدوي فهو أنانية الإنسان المعتدة بنفسها والمتباهية بما لديها من علم، والتي لا تصغي إلى الوحي السماوي. أما تلك الغيلان والوحوش الكاسرة فهي حوادث العالم العجيبة وموجوداته". (1)

إن أنانية الإنسان وحبه المبالغ فيه لنفسه، هي التي تصور له الأشياء على غير حقيقتها، وتضللّه وتوهمه بما يضره ولا يفيده شيئًا، وهي التي توقف عندها النورسي دون باقي معاني ورموز الحكاية قائلًا:

"فالإنسان الذي يعتمد على أنانيته وغروره ويقع في شراك ظلمات الغفلة ويبتلى بأغلال الضلالة القاتلة، فإنه يشبه حالتي الأولى في تلك الواقعة الخيالية - حيث يرى الزمن الماضي - بنور ذلك المصباح الناقص الذي هو معرفة ناقصة منحرفة للضلالة، كمقبرة عظيمة من ظلمات العدم، ويصور الزمن من المستقبل موحشًا تعيث فيه الدواهي والخطوب محيلًا إياه إلى الصدفة العمياء كما يصور جميع الحوادث والموجودات التي كل منها موظفة مسخرة من لدن رب رحيم حكيم، كأنها وحوش كاسرة وفواتك ضارية". (2)

فإنّية الإنسان وأنانيته إذن تشبه ذلك المصباح الصغير الخافت الضوء والنور، ولا يكشف له الأشياء إلا في صورة مغايرة لحقيقتها، وتجردها على الدوام من نسبتها للّه تعالى وانتسابها إليه، أو على أقل تقدير لا تصور له إلا الجانب الأسود أو المظلم فيها. أما إذا وجد الإيمان طريقه إلى قلبه، وتخلى عن الركون إليها، فانه يرى الأشياء من حوله منورة بالنور الإلهي، عندئذ تنقلب حقائقها وصفاتها وأحولها رأسًا على عقب. يقول النورسي في حديثه عنها:

(1) الكلمات - النورسي ص 351

(2) الكلمات - النورسي ص 351

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت