فهرس الكتاب
إن الرجل الرباني تعود مستندًا على خلفيته النفسية المتفائلة النظر إلى الموجودات في جوانبها الجميلة والخيرة. وهو لا يجهل ولا يتجاهل ما فيها من قبح وشر، ولكنه يؤثر ويفضل الالتفات إلى كمال الوجود وجماله، معرضًا عن نقصه وقبحه فمثلًا ينظر إلى الموت وهو أقبح الأشياء وأشدها إيلامًا للنفس بوصفه تسريحًا من الخدمة، وانطلاقًا إلى عالم آخر تصاحبه مظاهر البهجة والسرور لا الحزن والبكاء
وعاد الرجلان من سياحتهما على الحالة التي كانا عليها:
"فبينما كان ذلك الرجل الأول المتشائم منشغلًا بألمه والآم الناس كلها، كان الثاني السعيد المتفائل مسرورًا مع سرور الناس كلهم فرحًا مع فرحهم، فضلًا عن أنه غنم لنفسه تجارة حسنة مباركة فشكر ربه وحمده". (1)
ثم دار بين الاثنين حوار قصير عن تجربتهما رواه النورسي بقوله:
"ولدى عودته إلى أهله، يلقى ذلك الرجل فيسأل عنه وعن أخباره فيعلم كل شيء عن حاله فيقول له:"
يا هذا هل جننت، فإن ما في داخلك من شؤم انعكس على ظاهرك بحيث تتوهم أن كل ابتسامة صراخ ودموع، وأن كل تسريح وإجازة نهب وسلب عُدْ إلى رشدك وطهر قلبك، لعل هذا الغشاء النكد ينزاح عن عينيك، وعسى أن تبصر الحقيقة على وجهها الأبلج، فإن صاحب هذه المملكة ومالكها وهو في منتهى درجات العدل والرحمة والربوبية والاقتدار والتنظيم المبدع والرفق، وان مملكة في هذه الدرجة من الرقى والسمو بما تريك من آثار بأم عينيك لا يمكن أن تكون بمثل ما تريه أوهامك من صور.
وبعد ذلك بدأ هذا الشقي يراجع نفسه ويرجع إلى صوابه رويدًا رويدًا، ويفكر بعقله ويقول متندمًا:
نعم لقد أصابني جنون لكثرة تعاطى الخمر، ليرض اللّه عنك، فلقد أنقذتني من جحيم الشقاء". (2) "
وفسر النورسي المثل أو الحكاية الرمزية، فقال مخاطبًا نفسه،
(1) الكلمات - النورسي ص 10
(2) الكلمات - النورسي ص 10