الصفحة 371 من 3036

"فيا نفسي، اعلمي أن الرجل الأول هو الكافر أو الفاسق الغافل، فهذه الدنيا في نظره بمثابة مأتم عام، وجميع الأحياء يبكون تألمًا من ضربات زوال وصفعات الفراق، أما الإنسان والحيوان فمخلوقات سائبة بلا راع ولا مالك، تتمزق بمخالب الأجل وتعتصر بمعصرته، وأما الموجودات الضخام - كالجبال والبحار - فهي في حكم الجنائز الهامدة والنقوش الرهيبة، وأمثال هذه الأوهام المدهشة المؤلمة الناشئة من كفر الإنسان وضلالته تذيق صاحبها عذابًا معنويًا مريرًا". (1)

ومرد ذلك كله وكما يفهم من النص أن الكفر والفسق لا يقطع فقط انتساب الكافر والفاسق باللّه تعالى، بل يقطع سائر أنواع الانتماءات به عز وجل، سواء كانت اختيارية كما هو الحال في المخلوقات العاقلة، أو قهرية كما هو الحال في سائرها، مما يجردها بالكامل من كل المعاني التي اكتسبتها بتلك النسبة وذلك الانتساب، بل قد تكتسب في نظره، وبما تنطوي عليه نفسه من أنانية مفرطة وتشاؤم سوداوي، معاني مناقضة تمامًا للمعاني التي خرج بها إلى الوجود، ومغايرة لوظائفها، ومناهضة لطبيعتها الخيرة الجميلة.

وبديهي أن الرجل الثاني يمثل العبد المؤمن، وعنه يقول النورسي:

"وأما الرجل الثاني فهو المؤمن الذي يعرف خالقه حق المعرفة، ويؤمن به، فالدنيا في نظره دار ذكر رحماني، وساحة تعليم وتدريب البشر والحيوان. وميدان ابتلاء واختبار الإنس والجن."

أما الوفيات كافة - من حيوان وإنسان - فهي إعفاء من الوظائف وإنهاء من الخدمات، فالذين أنهوا وظائف حياتهم، يودعون هذه الدار الفانية وهم مسرورون معنويًا، حيث إنهم ينقلون إلى عالم آخر غير ذي قلق، خال من أوضار المادة وأوصاب الزمان والمكان وصروف الدهر وفوارق الحدثان، لينفسح المجال واسعًا لموظفين جدد يأتون للسعي في مهامهم.

(1) الكلمات - النورسي ص 11،10

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت