الصفحة 372 من 3036

أما المواليد كافة - من حيوان وإنسان - فهي سَوقة تجنيد عسكرية وتسلم سلاح، وتسنم وظائف وواجبات، فكل كائن إنما هو موظف وجندي مسرور ومأمور مستقيم راض قانع.

وأما الأصوات المنبعثة والأصداء المرتدة من أرجاء الدنيا فهي إما ذكر وتسبيح لتسنم الوظائف والشروع فيها، أو شكر وتهليل إيذانًا بالانتهاء منها، أو أنغام صادرة عن شوق إلى العمل وفرح به.

فالموجودات كلها - في نظر المؤمن - خدام مؤنسون، وموظفون أخلاء، وكتب حلوة لسيده الكريم ومالكه الرحيم، وهكذا يتجلى من إيمانه كثير جدا من أمثال هذه الحقائق التي هي في غاية اللطف والسمو واللذة والذوق". (1) "

وهكذا لا يرى المؤمن بإيمانه إلا الجانب المشرق للوجود والموجودات، حيث تستحيل مظاهر الحياة كلها إلى صور وأشكال محببة للقلب، وباعثة على الفرح في النفوس، فلا الدنيا مرذولة، ولا الموت بغيض، ولا من يولد من الأحياء يولد للفناء، بل إن في حركة كل موجود منتهى سعادته وغاية رجائه.

أعلى مراتب الإيمان

إذا كان ابن عربي ومن تبعه يرون أن في الاعتقاد بوحدة الوجود هو أرفع مراتب الإيمان، فإن أهل السنة في المقابل يرون أن التوحيد هو أعلى مرتبة من مراتب الإيمان، ولبيان الفرق بين المذهبين والاعتقادين ضرب النورسي المثل التالي:

"لنفرض أن هناك طاؤوسًا خارقًا لا مثيل له، وهو في غاية الكبر ومنتهى الزينة، وأنه يتمكن من الطيران من الشرق إلى الغرب في لمحة وله القدرة على بسط جناحيه الممتدين من الشمال إلى الجنوب، وقبضهما في آن واحد، وعليه مئات ألوف النقوش البديعة حتى إن في كل ريشة من جناحيه إبداعًا واتقانًا في منتهى الجمال والروعة."

ولنفرض الآن أن هناك شخصين يتفرجان على هذا الطاؤوس العجيب، ويريدان التحليق بجناحي العقل إلى المراتب العالية الرفيعة لهذا الطير وبلوغ زينته الخارقة.

(1) الكلمات - النورسي ص 11

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت