فهرس الكتاب
"إن اللّه سبحانه بأحديته الذاتية وتنزهه عن المكان قد أحاط - من دون وساطة - بكل شيء علمًا وشخّصه بعلمه ورجحه وخصصه بإرادته وأوجده وأبقاه بقدرته، فانه سبحانه يوجد جميع الكون ويخلقه ويدبر أموره كإيجاده لشيء واحد وإرادته إياه، فكما أنه يخلق الزهرة بسهولة فانه يخلق الربيع العظيم بالسهولة نفسها، فلا يمنع شيء شيئًا قط، فلا تجزؤ في توجهه سبحانه، فهو موجود بتصرفه وبقدرته وبعلمه في كل شيء في كل آن، فلا انقسام ولا توزع في تصرفه سبحانه". (1)
وخلاصة المعنى تفيد بأن اللّه تعالى هو وحده المتفرد بالخلق والإيجاد، ولا يتفاوت خلقه بتفاوت أحجامها، وكلها تخرج إلى الوجود بكلمة (كن) الدالة على سرعة الخلق، وعلى انفصالها عنه عز وجل، ومن ثم فلا مجال للمقارنة بين الخالق والمخلوق، فلا اللّه تعالى ينزل إلى مرتبة الموجودات ليتحد معها بأي معنى من معاني الاتحاد، ولا الموجودات ترتفع إلى منزلة الخالق، فتنال من الصفات والأحكام ما ليس لها.
الانتساب
شاء اللّه بمقتضى حكمته الأزلية أن يرتفع بالإنسان من علاقة المخلوقية إلى علاقة أخص، بها يترقى في سلم الحياة بمعنى لا يشاركه فيه غيره، فتفضل عليه بالتكليف لينتسب إليه بصفة أخص، فيها ترقية له من جهة، وتشريف له من جهة أخرى، وهي صفة المُكلَّف، إذ في العلاقة التكليفية، وفي الانتساب إليه تعالى بصفة المكلَّف ما ليس في علاقة المخلوق بالخالق.
وأطلق النورسي على ذلك الانتساب إلى اللّه تعالى اسم الإيمان، مما يعني أن الإيمان في الأصل هو الانتساب للّه، فعد لهذا السبب مناط التكليف الإلهي، منه تحدد العلاقة أو الرابطة بين اللّه تعالى وبين الإنسان، وبه ينال صفة المكلَّف.
ولتقريب ذلك المعنى وتلك الحقيقة إلى الذهن وفي صورة أقرب إلى الحس والوجدان، ساق النورسي المثل التالي:
(1) اللمعات - النورسي ص 52