فهرس الكتاب
"إذا انتسب أحد إلى السلطان بالجندية أو بالوظيفة الحكومية، فإنه يتمكن أن ينجز من الأمور والأعمال أضعاف أضعاف ما يمكن إنجازه بقدرته الشخصية، وذلك بقوة ذلك الانتساب السلطاني، فمثلًا يستطيع أن يأسر قائدًا كبيرًا باسم سلطانه مع أنه جندي، حيث تحمل خزائن السلطان وقطعات الجيش الأجهزة والأعتدة لما يقوم به من أعمال، فلا يحملها وحده، كما أنه ليس مضطرًا إلى حملها، كل ذلك بفضل انتسابه إلى السلطان، لذا تظهر منه أعمال خارقة كأنها أعمال سلطان عظيم، وتبدو له آثار - فوق ما تبدو منه عادة - وكأنها آثار جيش كبير رغم أنه فرد."
فالنملة - من حيث تلك الوظيفة - تتمكن من تدمير قصر فرعون طاغ، والبعوضة تستطيع أن تهلك نمرودًا جبارًا بقوة ذلك الانتساب، والبذرة الصغيرة للصنوبر الشبيهة بحبة الحنطة تنشئ بذلك الانتساب جميع أجهزة شجرة الصنوبر الضخمة.
فلو انقطع ذلك الانتساب، وأُعفى الموجود من تلك الوظيفة فعليه أن يحمل على كتفه قوة ما ينجزه من أعمال وينوء كاهله بلوازمها ومعداتها، وبذلك لا يمكنه القيام بأعمال سوى أعمال تتناسب مع تلك القوة الضئيلة المحدودة المحمولة على ذراعه، بما يناسب كمية المعدات واللوازم البسيطة التي يحملها على ظهره، فلو طلب منه أن يقوم بأعمال كان يقوم بها بسهولة ويسر في الحالة الأولى لأظهر عجزه، إلا إذا استطاع أن يحمّل ذراعه قوة جيش كامل، ويردف على ظهره معامل أعتدة الدولة الحربية". (1) "
ويفهم من المثل أن مجرد الاستناد إلى اللّه تعالى يمنح الفرد حقًا في التحرك، وقوة في الأداء ينجز بها من الأعمال ما هو موكول إليه، فكأن هذا الاستناد شهادة موثقة ومعترف بها تعطيه الحرية في التصرف، وفي الوقت نفسه إعلان بأنه منتسب إلى قوة هي سبب كل ما يصدر عنه من أفعال.
(1) اللمعات- النورسي ص 279،278