فهرس الكتاب
فإذا بدلت تلك البشرى ما كان غريبًا عنا أحبابًا أودّاء، وإذا ما غيرت شكل ما كنا نراه عدوًا إلى صورة أخوان أحباء، وإذا ما أظهرت لنا الجنائز الميتة المخيفة على صورة عباد خاشعين قانتين ذاكرين اللّه مسبحين بحمده. وإذا ما حولت تلك الصياحات والنواحات إلى ما يشبه الحمد والثناء والشكر، وإذا ما بدلت تلك الأموات والغضب والنهب إلى ترخيص وتسريح من أعباء الوظيفة، وإذا كنا نشارك الآخرين في سرورهم فضلًا عن سرورنا، عند ذلك يمكنك أن تقدر مدى السرور الذي يعمنا بتلك البشرى العظيمة". (1) "
فمما لا شك فيه أن من يعيش حياة خالية ومجردة من الفرح والسرور وتعمها الأحزان والآلام من جميع مناحيها، يسعى جاهدًا للخلاص من هذا الجو الكالح والدنيا الكئيبة، ولكن إذا جاء من يبلغه خبرًا بقرب زوال وتبدل تلك الأحزان والآلام. وفعلًا تحول كل من فيها وما فيها إلى نقيض ما كان عليه، عندئذ يظهر الفرح والسرور الذي عم الجميع نتيجة لتلك البشارة السارة.
والإيمان الذي جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم للجن والإنس هو بشارة غيّرت الجوانب المظلمة والمحزنة للحياة، إلى نور وفرح وسرور. يقول النورسي لكل من لا يصدق بالمعراج وثمراته:
"وهكذا فإحدى ثمرات المعراج هي نور الإيمان، فلو خلت الدنيا من هذه الثمرة، أي إذا ما نظر إلى الكائنات بنظر الضلالة، فلا ترى الموجودات إلا غريبة متوحشة مزعجة مضرة، والأجسام الضخمة كالجبال جنائز تثير الدهشة والخوف، والأجل جلاد يضرب أعناق الموجودات ويرميها إلى بئر العدم، وجميع الأصوات والأصداء ما هي إلا صراخ ونعى ناشئان من الفراق والزوال."
(1) الكلمات- النورسي ص 699