فهرس الكتاب
"أما إذا تسلل الكفر - الذي هو عبارة عن قطع الانتساب إلى اللّه - في الإنسان، فعندئذ تسقط جميع معاني نقوش الأسماء الحسنى الإلهية الحكيمة في الظلام وتمحى نهائيًا، ويتعذر مطالعتها وقراءتها، أما ما تبقى منها مما يتراءى للعين فسوف يعزى إلى الأسباب التافهة وإلى الطبيعة والمصادفة، فتسقط نهائيًا وتزول، حيث تتحول كل جوهرة من تلك الجواهر المتلألئة إلى زجاجة سوداء مظلمة وتقتصر أهميتها على المادة الحيوانية وحدها. وغاية المادة وثمرتها هي قضاء حياة قصيرة جزئية يعيشها صاحبها وهو أعجز المخلوقات وأحوجها وأشقاها، ومن ثم يتفسخ في النهاية ويزول، وهكذا يهدم الكفر الماهية الإنسانية ويحيلها من جوهرة نفيسة إلى فحمة خسيسة". (1)
ولا يفهم للكفر معنى عند النورسي أكثر من أن الإنسان اختار بمحض إرادته الحرة ألاّ يقيم صلة أو علاقة باللّه تمتاز بصفة الخصوصية، وباختياره هذا لا ينفصم ما بينه وبين اللّه من علاقة أو صلة، بل يتجرد تمامًا من كل قيمة يمكن أن يكتسبها بالإيمان، وربما انحدر إلى منزلة دون منزلة الحيوان بكثير.
الكافر
يصل الكافر بجحوده للّه تعالى وإنكاره لأسمائه وصفاته إلى درجة ينعدم فيها الشعور بنفسه، عندها يداهمه خوف شديد وحرص مقيت على مقومات وجوده، أما موته فهو عدم وفراق أبدي لا لقاء بعده بمحبوباته وهو مع هذا كله يعيش حياة تبدو في ظاهرها كما لو كانت هي الحياة الكاملة بكل أفراحها وملذاتها ومباهجها، ولكن في باطنها أكذوبة كبرى تظهره في مظهر المخدوع الغافل، والمثل المطابق لحالته هو وكما يرى النورسي المثل المشهور القائل:
(1) الكلمات- النورسي ص 350،349