فهرس الكتاب
والمستفاد مما مضى ذكره أن الكافر كالنعامة، فهو عندما يجابه بحقيقة الموت المرة، والفراق الأبدي، لا يجد مفرًا من التسليم بما جاء به الوحي عن اليوم الآخر والحياة الأخرى، وعندما يجابه باعترافه وتصديقه الضمني، ويطلب انطلاقًا منه بالإيمان، يجنح مخادعًا نفسه بالتقليل من فكرة حياة أخرى، والتهوين من شأنها.
وهكذا يظل متأرجحًا بين محاولته الدؤوب لإنقاذ نفسه من العدم، وبين عدم إيمانه الذي يدفعه للنأي بنفسه عن التكاليف الإلهية الصعبة، فلا هو بتصديقه الإيماني نجا من قوة وقع الموت وقسوة الفراق، ولا هو استراح من صعوبة الالتزام بالتكليف الإلهي وحمل نفسه على مشقاته، وذلك بلا شك قصور في الفهم، وعدم تمييز بين الأشياء.
الفصل الخامس
العبادة
العبادة والسجود
تعبر مخلوقات اللّه تعالى على مختلف أجناسها وأنواعها عن محبتها له عز وجل، بنوع من التذلل والخضوع يبلغ في حركته الداخلية غايته ومنتهاه، وأُطلق على ذلك التذلل والخضوع في العقيدة الإسلامية اسم العبادة تارة واسم السجود تارة أخرى.
غير أن عبادة المخلوقات وسجودها للّه تعالى يختلف ويتنوع باختلاف وتنوع وظائفها وما خلقت لأجله، ومثل النورسي لذلك التنوع والاختلاف قائلًا:
"إن ملكًا عظيمًا وسلطانًا ذا شأن يستخدم أربعة أنواع من العمال في بناء قصر أو مدينة:"
النوع الأول: هم عبيده، هذا النوع لا مرتّب لهم ولا أجرة، بل ينالون ذوقًا في منتهى اللطف، ويحصلون على غاية الشوق في كل ما يعملونه ويؤدونه بأمر سيدهم، بل يزدادون متعة وشوقًا من أي كلام في مدح سيدهم ووصفه. فحسبهم الشرف العظيم الذي ينالونه بانتسابهم إلى سيدهم. فضلًا عن تلذذهم لذة معنوية أثناء إشرافهم على العمل باسم ذلك المالك. وفي سبيله ونظره إليهم. فلا داعي إلى مرتب ولا رتبة ولا أجرة.