الصفحة 402 من 3036

إن هدية الملك العظيم على ضآلة حجمها وصغر شأنها، قد حملت لذلك الإنسان البسيط من معاني المودة والرحمة والإكرام والاحترام ما جعلته يفرح فرحًا لا يقارن بفرحته المادية الزائلة عند أكلها، وتبقى هذه المعاني حية في قلبه مدى الحياة.

وكذلك الحال في حمد العباد وشكرهم لربهم على نعمه عليهم، فإنها وكما يعقب النورسي على المثل:

"تفتح أمامك بابًا واسعًا تتدفق منه لذة معنوية خالصة هي ألذ من تلك النعم نفسها بألف ضعف وضعف، وذلك بالحمد والشكر، أي بالشعور بالإنعام عن طريق النعمة، أي بمعرفة المنعم بالتفكر في الإنعام نفسه، أي بالتفكر والتبصر في التفات رحمته سبحانه وتوجهه إليك وشفقته عليك ودوام إنعامه عليك" (1)

وعلى هذا فإن العبد عندما يقول من صميم قلبه (الحمد للّه) تعظيمًا للّه واعترافًا له على ما أسدى إليه من نعم، فإنه يحس من مجرد تلفظه بها إحساسًا عميقًا بقوة توجه اللّه تعالى إليه بالإحسان والإكرام، ويقر معترفًا بعطاياه تعالى له، عندئذ يجتاحه من الفرح والسرور القلبي والنفسي ما يفوق بمراحل كثيرة أفراح ومسرات النعمة نفسها.

التوكل

يذهب النورسي إلى أن مثل التوكل على اللّه وغير المتوكل:

"كمثل رجلين قاما بحمل أعباء ثقيلة حملت على رأسهما وعاتقهما فقطعا التذاكر وصعدا سفينة عظيمة، فوضع أحدهما ما على كاهله حال دخل السفينة وجلس عليه يرقبه، أما الآخر فلم يفعل مثله لحماقته وغروره، فقيل له:"

ضع عنك حملك الثقيل لترتاح من عنائك.

فقال:

كلا إني لست فاعلًا ذاك مخافة الضياع، فإن على قوة ولا أعبأ بحملي وسأحتفظ بما املكه فوق رأسي وعلى ظهري.

فقيل له ثانية:

(1) المكتوبات- النورسي ص 293،292

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت