فهرس الكتاب
وعلى أي حال فإن الرجلين - وكما بدأنا الكلام - يمثل أحدهما العبد المؤمن المتوكل على اللّه، ويمثل الثاني المؤمن غير المتوكل، والسفينة هي الحياة الدنيا، فالمتوكل يظهر دومًا في الدنيا عجزه وافتقاره واعتماده المطلق على اللّه، كما أنه يسلم أموره كلها للّه، أما غير المتوكل فهو من يعتمد على نفسه ويعول في حركته على قواه الذاتية. مما يجعله قليل الثقة فيما عند اللّه. فلا يرجو منه ولا يأمل فيه خيرًا.
يقول النورسي في مقارنته بينهما.
"فالإنسان الذي يظفر بالإيمان الحقيقي يستطيع أن يتحدى الكائنات، ويتخلص من ضيق الحوادث، مستندًا إلى قوة إيمانه فيبحر متفرجًا على سفينة الحياة من خضم أمواج الأحداث العاتية بكمال الأمان والسلام."
قائلًا: توكلت على اللّه، ويسلم أعباءه الثقيلة أمانة إلى يد القدرة للقدير المطلق، ويقطع بذلك سبيل الدنيا مطمئن البال في سهولة وراحة حتى يصل إلى البرزخ ويستريح، ومن ثم يستطيع أن يرتفع طائرًا إلى الجنة للدخول إلى السعادة الأبدية، أما إذا ترك الإنسان التوكل فلا يستطيع التحليق والطيران إلى الجنة فحسب، بل ستجذبه تلك الأثقال إلى اسفل سافلين". (1) "
ومن المقارنة بين الاثنين مع اشتراكهما في الإيمان، يتضح أن المؤمن المتوكل يشعر على الدوام لخفة حمله وأعبائه بالأمان والاطمئنان والسكينة والراحة النفسية، في حين أن حياة غير المتوكل تنطوي على مشاكل عديدة، ويعيش في ظل هموم لا حصر لها، وقد ينتهي به الحال إلى التردي إلى هاوية سحيقة لا قرار لها.
صبر النفس على العبادة
إن تعب العبادات والجهد الشاق المبذول في أدائها، ثم التفكير الدائم في عبادات الأيام القادمة، وما فيه هو الآخر من الآلام، قد يدفع بالنفس إلى إظهار حالات متعددة من التذمر، أكثرها شيوعًا بين المؤمنين، قلة الصبر تارة، ونفاده تارة أخرى. ومثل النورسي للنفس في عدم صبرها بـ:
(1) الكلمات- النورسي ص 352