فهرس الكتاب
"القائد الأحمق الذي وجه قوة عظيمة من جيشه إلى الجناح الأيمن للعدو. في الوقت الذي التحق ذلك الجناح من صفوف العدو إلى صفه فأصبح له ظهيرًا، ووجه قوته الباقية إلى الجناح الأيسر للعدو في الوقت الذي لم يكن هناك أحد من الجنود، فأدرك العدو نقطة ضعفه فسدد هجومه إلى القلب فدمره هو وجيشه تدميرًا كاملًا". (1)
فقلة عقل القائد وفساد تدبيره تتجلى بوضوح في سوء إدارته للجيش التي أخلّت بميزان القوة في المعركة، إذ دفع بقوته الضاربة إلى موقع ليس فيه خطر عليه فحسب، بل إن جنود ذلك الجناح انقلبوا معينين له وناصرين. ثم دفع بقوته الوحيدة إلى موضع لا جنود فيه ليحاربهم، فكشف بهذا التخبط عن مركز الضعف فيه. فوجه إليه عدوه ضربات في القلب دمرت جيشه ومزقته، وألحقت به هزيمة ساحقة.
والنفس التي لا صبر لها على مشقة العبادات تشبه ذلك القائد. وعلل النورسي عدم صبرها بقوله:
"لأن صعوبات الأيام الماضية وأتعابها قد ولت، فذهبت آلامها وظلت لذتها وانقلبت مشقتها ثوابًا، لذا لا تولد مللًا بل شوقًا جديدًا وذوقًا نديًا وسعيًا جادًا للمضي والإقدام، أما الأيام المقبلة فلأنها لم تأت بعد، فإن صرف التفكير فيها من الآن نوع من الحماقات والبله، إذ يشبه ذلك البكاء والصراخ من الآن، لما قد يحتمل أن يكون عليه من العطش والجوع في المستقبل". (2)
فما مضى حاملًا معه تبعه، وولت آلامه إلى غير رجعة، تاركة وراءها رغبة صادقة وإرادة قوية للمزيد من التعبد، أما المستقبل فإن مجرد التفكير فيه دال على قلة العقل وفساده، ويشبه العويل والصراخ في هذه اللحظة على ما ينتظر وقوعه من جوع وعطش في المستقبل.
وأخيرًا ختم النورسي حديثه مرشدًا النفس لما فيه صلاحها، قائلًا:
(1) الكلمات - النورسي ص 299
(2) الكلمات - النورسي ص 299