فهرس الكتاب
أما الطريق فمجاز عن الحياة الدنيا التي أعدت خصيصًا كمكان للتكاليف، فسميت بدار التكليف كما سميت الآخرة بدار الجزاء، وجهزت بكل المقومات التي يحتاج إليها المكلَّف في حركته التكليفية.
وأما الحقيبة أو حمل السلاح فهي العبادة التي رغمًا عن صعوبتها ومشقتها، ووقعها المؤلم على النفس، ففيها الراحة والطمأنينة في الدنيا، وتعود على العباد بالنفع الجزيل بعد الموت.
فرح الله
إذا كان فرح الكريم بكرمه والشفيق بشفقته أضعاف أضعاف فرحة من يكرم ويشفق عليه. فكيف بفرحة اللّه تعالى بمن نالوا رحمته ورضاه أليست أكثر بكثير من أفراح ومسرات عباده برحمته عليهم ورضاءه عنهم، ومعنى جليل القدر كهذا لا يدرك إلا من خلال ثلاثة أمثلة رواها النورسي على النحو التالي.
"المثل الأول: شخص سخي كريم ذو شفقة ورأفة، أعد ضيافة جميلة للفقراء المحتاجين، فبسط ضيافته الضخمة على إحدى سفنه الجوالة، واطلع عليهم وهم يتنعمون بإنعامه تنعمًا ذا امتنان، ترى كم يكون ذلك الشخص الكريم مسرورًا فرحًا، وكم يبتهج بتنعم هؤلاء الفقراء، وتلذذ الجياع منهم، ورضى المحتاجين منهم، وثنائهم عليه."
والمثل الثاني: إذا قام صناع ماهر بصنع حاكٍ جميل ينطق من دون حاجة إلى اسطوانة، ووضعه موضع التجربة والعرض للآخرين، فعبر الجهاز عما يريده منه وعمل على أفضل وجه يرغب فيه. فكم يكون مفتخرًا برؤية صنعته على هذه الصورة، وكم يكون مسرورًا، حتى إنه يردد في نفسه: بارك اللّه.
والمثل الثالث: إن حاكمًا عادلًا يجد لذة ومتعة عندما يأخذ حق المظلوم من الظالم، ويجعل الحق يأخذ نصابه. ويفتخر لدى صيانته لحق الضعفاء من شرور الأقوياء لدى منحه كل فرد ما يستحقه من حقوق". (1) "
(1) الكلمات - النورسي ص 745،744