فهرس الكتاب
فلا يملك كل من الكريم والصانع الماهر والحاكم العادل في الحقيقة إلا القدر اليسير والحظ الضئيل من جهدهم، فالكريم ليس له فضل في إعداد المائدة ودعوة المدعوين، والصانع لم يصنع إلا شيئًا صغيرًا محدود القيمة، وكذلك الحاكم العادل، فعدله نابع من تطبيقه للشرع الحكيم.
ومع كل هذا فإن الفرحة تغمر قلوبهم وتنشرح صدورهم طربًا وسرورًا لما أدوه من أعمال، فكيف بمن نسبة الفعل إليه نسبة ذاتية، ولا يشاركه فيه أحد، ألا يفرح لفرحة عباده فرحًا هو أسمى وأنزه بما لا يتناهى من درجات العلو والسمو والنزاهة مما يظهر على عباده.
الوعيد
تساءل النورسي قائلًا:
ما أساس الحكمة التي تبنى عليها تلك الزواجر والتهديدات المرعبة والشكاوى القرآنية الصادرة من عظمته الجليلة تجاه هذا الإنسان الذي لا يملك إلا جزءًا من إرادة اختيارية وكسبًا فقط، فلا قدرة له على الإيجاد قطعًا، وكيف يتم الانسجام والتوفيق بينهما.
وقبل الإجابة عن مغزى وعيد اللّه وزجره وتهديده لهذا المخلوق الذي لا حول ولا قوة ضرب مثلين متكاملين، جاء في الأول منهما:
"بستان عظيم جدًا يحوى ما لا يعد ولا يحصى من الأثمار اليانعة والأزاهير الجميلة، عين عدد كبير من العاملين والموظفين للقيام بخدمات تلك الحديقة الزاهرة، إلا أن المكلَّف بفتح المنفذ الذي يجري منه الماء للشرب وسقي البستان، تكاسل عن أداء مهمته، ولم يفتح المنفذ، فلم يجر الماء، بمعنى أنه أخل بكل ما في البستان أو سبب في جفافه". (1)
يعني أن المكلَّف بأهم وظيفة وأخطر عمل وهو إدارة الممر الوحيد الذي يمد البستان بأسباب بلغ من الإهمال وعدم الإحساس بالمسؤولية الملقاة على عاتقه حد التثاقل، فلم يسمح للماء بسقي أشجاره ونباتاته، مما يعتبر عمله هذا في حكم القاصد والمتعمد إلحاق أفدح الضرر بالبستان وأشجاره وثماره.
أما ردة الفعل إزاء ذلك المهمل لعمله، فرواها النورسي بقوله:
(1) الكلمات - النورسي ص 191،190