الصفحة 412 من 3036

"ذلك لأن عدمًا واحدًا يؤدي إلى مالا يتناهي من أنواع العدم، بينما الوجود يثمر ثمرات حسب نوعه، لأن وجود الشيء يتوقف على وجود جميع الأسباب والشروط، بينما انعدام ذلك الشيء وانتفاؤه من حيث النتيجة إنما هو انتفاء شرط واحد فقط. وبانعدام جزء منه". (1)

ويرى النورسي بما وراء هذا التعليق إلى أن ترك العمل هو في حكم العدم، أو بمعنى أخر هو ضد الوجود، أو هو اللاوجود بعينه. واللاوجود نفي للوجود، والوجود يقتضي دومًا شيئًا متحققًا بالفعل، أو على الأقل وجودًا عينيًا في الظاهر، أما عدم الشيء فلا يضاف أو يسند إليه، أي للعدم، إذ لا وجود بعده، وبالتالي لا يتصور له وجود أصلًا.

وتأسيسًا على ذلك المعنى وانطلاقًا منه خلص النورسي إلى القول:

"ومن هنا غدا - التخريب أسهل من التعمير - دستورًا متعارفًا لدى الناس، ولما كانت أسس الكفر والضلال والطغيان والمعصية إنكارًا ورفضًا وتركًا للعمل وعدم قبول، فصورتها الظاهرية مهما بدت إيجابية وذات وجود، إلا أنها في حقيقتها انتفاء وعدم، لذا فهي جناية سارية". (2)

والمعنى أنه وعلى الرغم من العنصر الإيجابي والإيجادي في الكفر والضلال، وغيرها من صور الإنكار والرفض للعمل، إلا أنها في حقيقتها الوجودية عدم وانتفاء، ولكن العدم فيها يقيد ولا يطلق ولا يضاف بالضرورة إلى ما يضاده، فيقال مثلًا أنه عدم إيمان وعدم طاعة إلى غيرها من صور الإضافة والإسناد.

وعيد الله على الذنب الصغير

يقف المرء في كثير من الأحيان حائرًا ومترددًا من وعيد اللّه المرعب، وتهديده الشديد، وإنذاره المتكرر للفاسدين والمنحرفين عن منهجه، لمجرد ارتكابهم لذنب صغير لا أهمية له. ولاقترافهم خطيئة لا ضرر منها. وبما لا يتناسب أبدًا مع حجمها، فما الحكمة وراءه، وما سره.

يقول النورسي في حديثه عن تلك الحكمة وذلك السر:

(1) الكلمات - النورسي ص 191

(2) الكلمات - النورسي ص 191

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت