فهرس الكتاب
"فيا إخواني ما دامت تحصل مثل هذه الفوائد العظيمة نتيجة الاتحاد والاتفاق في أمور دنيوية، وفي مواد كثيفة، فكم يكون يا ترى ثواب أعمال أخروية ونورانية، وكم يكون الثواب المنعكس من أعمال الجماعة كلها بالفضل الإلهي في مرآة كل فرد منها، تلك الأعمال التي لا تحتاج إلى تجزئة ولا انقسام، فلكم أن تقدروا ذلك الربح العظيم، فإن مثل هذا الربح العظيم لا يُفوّت بالحسد وعدم الإخلاص". (1)
فإذا كان تطبيق تلك القاعدة على أمور دنيوية زائلة بهذا القدر من الكثرة، فما حجم الجزاء على أعمال قصد بها رضى اللّه وأريد بها نوال ثوابه، وهو ليس كالأعمال الدنيوية التي يحتم إنجازها تقسيم العمل وتجزئته على ذوى الاختصاص. فلا مجال أبدًا للمقارنة بين العملين، على الرغم من اتفاقهما في المنهج والغاية.
الابتلاء
يرى البعض في ابتلاء اللّه تعالى لمن لم يرتكب إثمًا أو يقترف ذنبًا، وفيما ينزله اللّه عليه من شدائد ومكروهات، ظلم وجور في حقهم، لا يليق بعدل اللّه ولا يتفق مع كماله، فصحح النورسي اعتقادهم ذلك بمثل خاطب به واحد منهم، قائلًا:
"ترى لو أن صنّاعًا ماهرًا، جعلك نموذجًا مقابل أجرة، وألبسك ثوبًا زاهيًا خاطه بأفضل ما يكون، ثم بدأ يقصره ويطوله ويقصه، ثم يقعدك وينهضك ويثنيك، كل ذلك لكي يبين حذاقته ومهارته، فهل لك أن تقول له،"
لقد شوهت جمال ثيابي الذي زادني جمالًا، وقد أرهقتني لكثرة ما تقول لي، اجلس انهض.
فلا ريب انك لا تقدر على هذا القول، بل لو قلته، فهو دليل الجنون ليس إلا". (2) "
(1) اللمعات - النورسي ص 250،249
(2) المكتوبات - النورسي ص54،53