الصفحة 425 من 3036

فالمثل يفترض في المخاطب ومن الناحية النظرية انه وُظف من قبل صانع متمكن من صناعته (خياط) للقيام ولفترة محدودة من الزمان بدور النموذج (مثال الشيء) ، نظير مكافأة مالية مقدرة، ولما قبل العمل وهو عالم بطبيعته، بدأ الخياط في شغله، فطرح عليه ثوبًا غطاه. تلاه بأعمال المقص فيه تطويلا وتقصيرًا، هذا في الوقت الذي كان يطلب منه القيام تارة والجلوس تارة أخرى، والتحرك يمينًا وشمالًا حسب متطلبات الثوب.

فهل من المقبول والجائز أن يشكو ذلك العامل من إفساد ثيابه وتجريدها من جمالها، أو التذمر بأنه حمّل من العمل مالا يطاق، ألا يدل ذلك على خبل وفساد في التفكير؟

إن ابتلاء اللّه تعالى لعباده واختباره لهم يشبه عمل ذلك الخياط، فيقول النورسي في شرحه له:

"على غرار هذا فإن الصانع الجليل قد ألبسك جسمًا بديعًا مزينًا بالعين والأذن والأنف وغيرها من الأعضاء والحواس، ولأجل إظهار آثار أسمائه الحسنى المتنوعة يبتليك بأنواع البلايا، فيمرضك حينًا ويمتعك حينًا بالصحة أحيانًا أخرى، ويجيعك مرة أخرى ويشبعك تارة ويظمئك أخرى، وهكذا لتتقوى ماهية الحياة، وتظهر جلوات أسمائه الحسنى."

فإن قلت، لماذا تبلينى بهذه المصائب؟ فإن مئة من الحكم الجليلة تسكتك، إذ من المعلوم أن السكون والهدوء والرتابة والعطالة نوع من العدم والضرر، وبعكسه الحركة والتبدل وجود وخير. فالحياة تتكمل بالحركة، وتترقى بالبلايا، وتنال حركات مختلفة بتجليات الأسماء وتتصفى وتتقوى وتنمو وتتسع حتى تكون متحركًا لكتابة مقدراتها، وتفي بوظائفها وتستحق الأجر الأخروي". (1) "

والمعنى أن اللّه تعالى الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم يبتلى مخلوقه الفريد بالخير والشر، وبالمضار والمسار، لا بغرض الوقوف على ما يجهل منه، أو التعرف على حاله، وإنما لتحقيق أمرين متلازمين.

(1) المكتوبات - النورسي ص54

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت