فهرس الكتاب
إن السهولة والسرعة التي ترزق بها النباتات وهي ثابتة ومستقرة في أماكن وجودها، كامنة من أنها قد عبرت بعجزها المطلق عن الحركة، عن استسلامها ورضاها بواقعها الحياتي، ويشارك النباتات في تلك السهولة والسرعة صغار الحيوانات الضعيفة، أما كبار الحيوانات والمفترسة منها، فلا ترزق إلا بعد جهد ومشقة، وبكميات لا تفي باحتياجاتها الغذائية، وذلك راجع إلى شدة حرصها، وقوة جشعها، وعدم رضاها بالقليل.
ومن عجز النباتات، وعدم قناعة الحيوانات الكبيرة خلص النورسي للقاعدة التالية:
"إن الحرص سبب الحرمان، أما التوكل والقناعة فهما وسيلتا الرحمة والإحسان". (1)
يعني أن ما في الحرص من إفراط في شدة الكدح، والإسراف في الطلب، يقود مباشرة إلى عدم الحصول على الرزق بسهولة، وعكسه تمامًا الاستسلام والرضا بما قسم اللّه، فهو مفتاح كل خير وبركة في الرزق.
أما طمع اليهود وشدة حرصهم على الحياة والمال، فقد صار مضرب الأمثال، حتى أورثهم الفقر والذل والمسكنة والنهم الزائد عن الحد والتحقير من قبل الناس. وغيرها من الخصال والصفات المميتة للنفس الكريمة.
ومن حالة اليهود خلص النورسي أيضًا إلى القاعدة التالية:
"إن الحرص معدن الذلة والخسارة في عالم الإنسانية". (2)
ومفاد القاعدة إن الحرص أصل تدور عليه كل الصفات المرذولة في الإنسان، وكل ما يصادفه في حياته من احتقار وامتهان فمرده إليه. ودافع قوي لإهدار كرامته وعزة نفسه.
وشبه النورسي حال الحريص والقانع بقوله:
"ويمكن أن نشبه القانعين من الناس والحريصين منهم بشخصين يدخلان مضيفًا كبيرًا أعده شخص عظيم ذو شأن، يتمنى أحدهما في أعماقه قائلًا:"
لو أن صاحب الديوان يأويني مجرد إيواء، وأنجو من شدة البرد الذي في الخارج لكفاني، وحسبي ذلك، ولو سمح لي بأي مقعد متيسر في أدنى موقع فهو فضل وكرم.
(1) المكتوبات - النورسي ص 352
(2) المكتوبات - النورسي ص 352