الصفحة 430 من 3036

أما الآخر فيتصرف كأن له حقًا على الآخرين، وكأنهم مضطرون أن يقدموا له الاحترام والتوقير، لذا يقول في أعماقه بغرور:

على صاحب الديوان أن يوفر لي أرفع مقعد وأحسنه.

وهكذا يدخل الديوان وهو يحمل هذا الحرص، ويرمق المواقع الرفيعة في المجلس، إلا أن صاحب الديوان يرده ويرجعه إلى أدنى موقع في المجلس، وهو بدوره يمتعض ويستاء، ويمتلئ غيظًا على صاحب الديوان.

ففي الوقت الذي كان عليه أن يقدم الشكر الذي يستوجبه، قام بخلاف ما يجب عليه، وأخذ بانتقاد صاحب الديوان، فاستثقله صاحب الديوان. بينما رحب بالشخص الأول الذي دخل الديوان وهو يشع تواضعًا، يلتمس الجلوس في أدنى مقعد متوفر، إذ سرّته هذه القناعة البادية منه التي بعثت في نفسه الانشراح والاستحسان، وأخذ يرقيه إلى أعلى مقام وأرقاه. وهو بدوره يستزيد من شكره ورضاه كلما صعدت به المراتب". (1) "

فحال القانع يشبه حال من يدخل مأوى، وهو لا يريد من صاحبه سوى القليل الذي يرد عنه أذى البرد، ولو كان في أضيق مكان وأبعده عن المنزل.

أما الآخر فيدفعه حرصه وشدة رغبته في الأفضل والأحسن على طلب أعلى المواضع المعدة خصيصًا للخاصة من الزوار، مما يتسبب في إحلاله وعلى غير هواه في أحقر المواضع

إن القناعة والتواضع البادية في حركات وأفعال ذلك الشخص هي التي أثارت إعجاب صاحب المأوى، وأدخلت السرور والفرح في نفسه، فأحله على غير رغبة منه في أعلى موضع وأحسنه، أما الحرص والتكبر والتعالي فهو الذي مر عليه غضب وغيظ صاحب المأوى، فوضعه في أخس موضع من المضيف.

وعلى أي حال فإن الأثر السيء للحرص، وعواقبه الوخيمة ملحوظة من كل جانب من جوانب السلوك البشري، ومن أمثلتها التي رواها النورسي قائلًا:

"يمكن أن يشعر كل شخص استياء واستثقالًا في قلبه تجاه متسول يلح بحرص شديد، حتى انه يرده، بينما يشعر إشفاقًا وعطفًا تجاه متسول أخر وقف صامتًا قنوعًا، فيتصدق عليه ما وسعه."

(1) المكتوبات - النورسي ص 353،352

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت